الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ١٦

و يظهر أن هذه المقدمة لم تكن فى متناول رجال القرون الوسطى المسيحية فى يسر، و لم يستوعبوا" الشفاء" بحيث يستطيعون أن يدركوا أنه دراسة شخصية لا مجرد شرح و تعليق. و لم يقفوا أيضا فى وضوح على مقدمة الجوزجانى التي جاء فيها على لسان ابن سينا:" أما الاشتغال بالألفاظ و شرحها فأمر لا يسعه وقتى و لا تنشط له نفسى. فإن قنعتم بما يتيسر لى من عندى، عملت لكم تصنيفا جامعا على الترتيب الذي يتفق لى‌ [١]". ذلك لأن هاتين المقدمتين ارتبطتا بالمدخل، و كان أقل" أجزاء الشفاء" المترجمة إلى اللاتينية تداولا. هذا إلى أن نسخه المتداولة لم تكن جميعها مستوعبة، و ليس فيما وصلنا منها إلا اثنتان فقط هما اللتان تشتملان على هاتين المقدمتين.

و روجر بيكون هو الذي استطاع خاصة أن يتبين حقيقة الكتاب، و يدرك أنه عرض طليق لفلسفة ابن سينا، دون تقيد بنص ثابت أو أصل معين، و لعله وقف على المقدمتين السابقتين‌ [٢]. و لم يقف الأمر عند المدرسيين، بل امتد إلى التاريخ المعاصر، فرأينا" مهرن" فى أخريات القرن الماضى يعود إلى القول بأن" الشفاء" مجرد شرح لأرسطو؛ و فى نشر هذا الكتاب ما يقضى على كل ذلك‌ [٣].

على أن هذا ليس معناه أن ابن سينا لم يتأثر بأرسطو فى كتابه هذا، بل بالعكس تأثر به كل التأثر، و عول عليه التعويل كله، فحاكاه فى ترتيبه، و استمد منه مواد كثيرة، و لا يتردّد فى أن يصرح بذلك، فيقول:" و لما افتتحت هذا الكتاب ابتدأت بالمنطق، و تحريت أن أحاذى به ترتيب كتب صاحب‌


[١] المصدر نفسه،ص ٢.

[٢] الدكتور بدوى،التراث اليونانى فى الحضارة الإسلامية(حيث توجد ترجمة كاملة للمقال السابق) القاهرة،١٩٤٦،ص ٢٤٥-٢٩٦

[٣] Bouyges,Roger Bacon a-t-il lu des livres arabes,dans Arch.d' hist. doctr,Paris , ١٩٣٠,t.v.,P.٣١٢;Mehren,Museon, ١٨٨٣, t.II,p.٤٦٤, ١٨٨٥,t.IV,p.٤٩٤.