الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٦٦
لم يكن ابن سينا أول من قال فى العالم العربى بهذا الوجود الثلاثى، فقد سبقه إليه فيما يظهر يحيى بن عدى المترجم اليعقوبى و المنطقى المشهور الذي توفى قبل مولده ببضع سنين [١]. و تعزى إليه رسالة عنوانها: «فى الموجودات الثلاثة الإلهى و الطبيعى و المنطقى»؛ و فى العنوان، و إن لم تصلنا هذه الرسالة، ما يؤذن بأنها ترتبط بنظرية الوجود الثلاثى السابقة [٢]. و لعله أخذها عن أستاذه الفارابى الذي يعرضها عرضا يلتقى مع ما قال به ابن سينا. فيجيب عن سؤال وجه إليه عن كيفية وجود الكليات قائلا إنها موجودة وجودا ثانويا فى الأشخاص، و لذا سميت الجواهر الثوانى، و موجودة أيضا فى ذاتها من حيث إنها قائمة باقية و الأشخاص ذاهبة مضمحلة [٣]. و يضيف إلى هذا أنها توجد فى الذهن بعد أن تصبح معقولات جردت من الأفراد و استخلصت منها [٤].
واضح أن هذا الوجود الثلاثى ضرب من التوفيق الذي امتازت به الفلسفة الإسلامية، فالكلي الأزلى القائم بذاته الموجود فى العقل الفعّال شبيه كل الشبه بمثل أفلاطون، و الكلى الملحوظ فى أفراده و المستخلص فى الذهن، ليس شيئا آخر سوى نظرية التجريد الأرسطية. و على هذا نخطئ إن قلنا مع مونك إن فلاسفة الإسلام لا يمكن أن يكونوا إلا اسميين، أو قلنا مع كارا دىفو إنهم واقعيون [٥].
ذلك لأنهم فى الحقيقة جمعوا بين الاسمية و الواقعية، بين الأرسطية و الأفلاطونية، على نحو ما صنع رجال مدرسة الإسكندرية[٦]. و الكليات عندهم من حيث اكتسابها مستمدة من الأشخاص و العالم الحسى، و من حيث أصلها و منشؤها موجودة أزلا فى العقل الفعّال.
[١] توفى يحيى هذا سنة ٣٦٤ ه، قبل ميلاد ابن سينا بست سنوات.
[٢] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٣٦٣؛Perier ,Yahya b .Adi .p .٩٦ .
[٣] الفارابى، الثمرة المرضية، ص ٨٧- ٨٩.
[٤]
Madkour, La place d' Al- Farabi, p. ١٣٩- ١٤٦.
Munk, Melanges, Paris, ١٩٢٧, p. ٣٢٧; Carra de Vaux, Aflatun, art
[٥]cit .p .١٧٩ .
[٦]Vacherot ,Hist .crit .de l ' Ecole d ' Alex .