الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٨

فرصة الالتحاق بحاشيته، و الاشتراك فى مداواته من داء حار فيه الأطباء. و أضحى أثيرا لديه، بحيث مكّنه من زيارة مكتبته و الاطلاع على ما فيها من تحف و نفائس‌ [١]. فوقف فيها على ما لم يقع اسمه لكثيرين من كتب الأوائل، و ما لم يره هو من قبل و لا من بعد. و ما أسرع ما أقبل على هذه الكتب، فقرأها و ظفر بفوائدها، و عرف مرتبة كل رجل فى علمه‌ [٢].

من هذه القراءة الواسعة البصيرة خرج بعد الهضم و التمثيل" كتاب الشفاء"، فبدا فيه جانب التأثر و التأثير، و الأخذ و الابتكار، و التقليد و التجديد. و إذا كان ابن سينا- على عادة كثير من مؤلفى الإسلام- ضنينا بذكر مصادره، فإن الاطلاع على كتابه هذا يكشف عن تلك المصادر، التي أشار إلى بعضها فى المقدمة إشارة مجملة [٣]. و من ذا الذي يقرأ أجزاءه الفلسفية مثلا و لا يلمح أرسطو و شراحه ماثلين؟ فيرى أقوالهم و قد عرضت بنصها أحيانا بحيث يمكن ردها إلى أصولها، أو نوقشت مناقشة تدل على ما دار حولها من خلاف فى عهد ابن سينا أو قبله.

و لقد عرض الباحثون للقرن الرابع الهجرى، و عدّوه العصر الذهبى فى تاريخ الدراسات العقلية الإسلامية. فاستقام لعلم الكلام أمره بعد محنة خلق القرآن، و استرد اعتباره على يدى الأشعرى. و سما التصوف إلى القمة، فانتقل من النسك و الزهادة إلى شرح أحوال النفس و مقامات العارفين، و القول بالاتحاد و نزول اللاهوت فى الناسوت كما كان يذهب الحلّاج. و أخذت الفلسفة الإسلامية تستكمل أسسها و مبادئها بما أضافه إليها الفارابى من عمق‌


[١] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٤١٦- ندع جانبا ما أثير حول حريق هذه المكتبة و اتهام ابن سينا بذلك.

[٢] المصدر نفسه.

[٣] ابن سينا، المدخل، ص ١١.