الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ١٤
و خاصة الأنماط الثلاثة الأخيرة منه، ففيها تنبيهات و خواتيم يجد المرء لذة فى أن يقرأها و يقرأها غير مرة [١]. و قد يتأنق فيسجع و يعنى نوعا بالصناعة اللفظية، على نحو ما يلحظ فى" رسالة الطير" و" رسالة القدر" [٢].
و" كتاب الشفاء" ألصق بأسلوب ابن سينا العام و الدارج المألوف، و يبدو ذلك باطراد فى الكتاب جميعه، فليس ثمة تباين و لا تفاوت فى أسلوبه على طوله و كثرة أجزائه. و هو يدل دلالة واضحة على تمكن مؤلفه من العربية، و قدرته على أن يؤدى بها أدق الأفكار و أعقدها. و قل أن يلجأ لبعض الألفاظ الأجنبية من فارسية أو يونانية، اللهم إلا إن أضحت مصطلحات تقررت من قبل فى الاستعمال.
و أما منهجه فيقوم على ذلك العرض المتصل المحكم الترتيب و التبويب، فيقسم- كما قدمنا- الفن إلى مقالات، و المقالة إلى فصول. و فى الفصل الواحد يسير سيرا منطقيا منتظما، من المقدمات إلى نتائجها. و يولع ولوعا كبيرا بما يسمونه القسمة العقلية. فيضع الأحكام و الآراء بين طرفين أو أطراف متقابلة، يناقشها طرفا طرفا حتى ينتهى إلى الهدف المقصود؛ و كأنما يخرج من قسمة ليدخل فى أخرى [٣].
و لا يتشبث مطلقا بالمماحكات اللفظية، بل ينفر منها و يقصد إلى المعنى، و يصوّب إليه رأسا. و ها هو ذا يقول:" و اجتهدت فى اختصار الألفاظ جدا و مجانبة التكرار أصلا، إلا ما يقع خطأ أو سهوا، و تنكبت التطويل فى مناقضة
(٢) ابن سينا، الإشارات و التنبيهات، ليدن، ١٨٩٢، ص ١٩٠- ٢٢٢.
[٣] ابن سينا، جامع البدائع، القاهرة، ١٩١٧، ص ١١٤- ١١٩؛ رسالة القدر، ليدن، ١٨٩٩.
[١] انظر متلا المدخل، ص ١٢- ١٤.