الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٤

وحده هو الذي استطاع أن يضعه فى ضوء بعض المراجع، فجاء و قد حاكى فيه أكثر من غيره ترتيب القدامى‌ [١].

و ليته استطاع أن يتم الكتاب دفعة واحدة، أو على دفعات متلاحقة، و إنما اضطر بالعكس أن يكتبه على مراحل متباعدة، و فى ترتيب غير ترتيبه النهائى.

فبدأ بالطبيعيات و انتقل منها إلى الإلهيات، و بعد فترة غير قصيرة ألحق بهما المنطق، ثم الرياضيات، و ختم أخيرا بكتابى النبات و الحيوان، و هما جزءان من الطبيعيات. بدأه فى همذان، و أتمه فى أصبهان، و قضى فيما بين ذلك ما يزيد عن عشر سنوات‌ [٢]. بدأه و قد أشرف على الأربعين، فى سنّ النضج و الكمال، و فرغ منه و قد ناهز الخمسين‌ [٣].

و إذا عرفنا أنه لم يقصد همذان إلا سنة ٤٠٥ ه، و لم يبرحها إلى أصبهان إلا فى حدود سنة ٤١٤، أمكن أن نحدّد بوجه عام تاريخ تأليف" الشفاء". ذلك أنه لم يبدأ فيه إلا بعد أن قضى فى همذان زمنا، بعد توليته الوزارة للمرة الأولى و ثورة الجند عليه. و لعل من أخصب مراحل تأليفه فترتين: أولا هما حين اختفى فى دار أبى غالب العطار على أثر وفاة شمس الدولة بن بويه أمير همذان، سنة ٤١٢، و الثانية حين التجأ إلى دار العلوى بعد أن أفرج عنه من قلعة فردجان، حوالى سنة ٤١٣ [٤]. و لم يفرغ منه فى أصبهان إلا بعد أن أمضى بها بضع سنوات. و على هذا يمكننا أن نقرر أنه من مؤلفات العقدين الأولين من القرن الخامس الهجرى (و يوافق ذلك أيضا العقدين الثاني و الثالث من القرن الثاني عشر الميلادى)، و أن آخر أجزائه لم يتم إلا حوالى سنة ٤١٨ ه.


[١] ابن سينا، المدخل، القاهرة سنة ١٩٥١، ص ٣.

[٢] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٤٢٠- ٤٢١.

[٣] نختلف بهذا مع الجوزجانى الذي يذهب إلى أن" الشفاء" قد تم و سن ابن سينا أربعون سنة (المدخل ص ٣)؛ و فى التواريخ و الوقائع التي قدمناها ما يكفى لنقض ذلك.

[٤] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٤٢١؛ البيهقى، تاريخ حكماء الإسلام، دمشق ١٩٤٦، ص ٦٣.