الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٠
و من الناحية المنهجية استولت فكرة المدخل أيضا على كثيرين من مؤلفى الإسلام، و خاصة فى القرنين الثاني و الثالث للهجرة، فرأوا ضرورة التمهيد للدراسات المفصلة ببحوث مختصرة تقدم لها، و تيسر أمر ها [١]. و ألفوا مداخل لبعض العلوم كالفلك و الرياضة و الطب و الكيمياء و الطبيعة، أو لبعض الأشخاص و المدارس، و وصلتنا نماذج منها [٢]. استن هذه السنة جماعة السريان، من نساطرة و يعاقبة، الذين اضطلعوا بعبء الترجمة العربية الأكبر، و حاكاهم فيها فريق من المؤلفين المسلمين فيما بعد. و ربما كانت هذه المداخل أول ضوء ألقى فى أفق الدراسات العقلية فى الإسلام. و بذا طغت كلمة" مدخل" العربية على كلمة" إيساغوجى" اليونانية الأصل، و حلت محلها فترة طويلة من الزمن. و لكنا رأينا الأخيرة تعود إلى الظهور و إن تكن فى ثوب آخر، فقد تخيرها مؤلف عربى فى القرن الثالث عشر الميلادى اسما لمختصر فى المنطق قدر له أن يتدارس إلى اليوم [٣].
و من الناحية الموضوعية لم يكن أثر" إيساغوجى" بأقل من أثره المنهجى، فقد وضع دعائم نظرية الكليات الخمس التي تعد بابا هاما من أبواب المنطق العربى. حقا إن إخوان الصفاء شاءوا أن يضيفوا إلى ألفاظ فرفوريوس لفظا سادسا هو الشخص، ظنوا أنه فى حاجة إلى الشرح بدرجة لا تقل عن ألفاظ" إيساغوجى" [٤]. و لكنهم بهذا خرجوا بنظرية المؤلف عن أساسها، و عدوا الأمر مجرد توضيح لفظى، مع أن فرفوريوس، و إن عنى بهذا التوضيح، كان يرمى أولا و بالذات إلى حصر الكليات تحت صنوف معينة. لهذا لم يجاوز
[١] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ١١٥، ٢٦٢، ٢٦٣، ٣٦٩؛ ابن أبى أصيبعة، عيون الأنباء، ج ١، ص ١٩٨.
[٢] الفارابى، الثمرة المرضية، ليدن، ١٨٩٢، ص ٤٩ و ما بعدها؛Madkour ,L ' Organon ,p .٧١ .
[٣] الأبهرى، إيساغوجى، القاهرة، ١٩١٦.
[٤] إخوان الصفاء، رسائل، القاهرة، ١٩٢٨، ج ١، ص ٣١٣.