الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٨
و مما يلفت النظر أن الدعامة السيكلوجية التي تخيرها العرب أساسا لنظرياتهم المنطقية تذكرنا- من بعض النواحى- بدعامة أخرى مشابهة قال بها بويس، و ملخصها أن المنطق يعتمد على ثلاث عمليات عقلية، و هى الإدراك، و الحكم، و الاستدلال [١]. و جاء مناطقة بور رويال فأضافوا إليها، متأثرين بديكارت، دعامة رابعة تصوب إلى المنهج، و هى الترتيب [٢].
و فى ضوء موضوع المنطق نستطيع أن نبين منفعته، فهو الذي يعصمنا من الخطأ فى إدراك المعانى و تصوّرها تصوّرا صحيحا، بما يقدم لنا من قواعد الحد الحقيقى، و التفرقة بين الذاتى و العرضى، و بين ما يقوّم الماهية و ما لا يقوّمها. و يعصمنا أيضا من الخطأ فى التصديق و الانتهاء إلى أحكام و نتائج باطلة أو غير مسلمة، فيرسم لنا طرائق البرهان الموصل إلى اليقين، و يحذرنا من السفسطة التي تؤدى إلى الغلط أو المغالطة [٣].
و قد يتفق للإنسان بفطرته أن يهتدى إلى حد حقيقى موجب لتصوّر صحيح، أو إلى حجة مقنعة تؤدى إلى تصديق حق، إلا أن الفطرة لا يؤمن غلطها، و إن أصابت فما أشبهها برمية من غير رام. و لو قلنا بها وحدها لألغينا العلم و الصناعات كلها، على أنها لو كانت كافية ما تعدّدت المذاهب، و ما اختلف الناس فيما بينهم، بل و ما ناقض الإنسان نفسه [٤].
[١]
Janet et Seailles, Hisi. de la philos., Paris, ١٩٢٨, p. ٤٩٦: Ces trois operations sont: concevoir, juger et raisonner.
[٢]
Arnaud, La Logique de Port Royal, Paris, ١٨٧٧, p. ٢٧: Ces quatre actes principaux de l' esprit sont: corcevoir, juger, raisonner et rdonner.
[٣] ابن سينا، المدخل، ص ١٨- ١٩.
[٤] المصدر السابق، ص ١٩.