الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٦٣

٤- الوجود الثلاثى للكليات:

ببعض جمل عابرة فى أول" إيساغوجى" استطاع فرفوريوس أن يثير فى القرون الوسطى مشكلة من أعقد المشاكل الفلسفية، و كأنما كان لا بد لها أن تثار، لأنها تلخص الخلاف بين الأفلاطونية و المشائية [١]. و هذه الجمل هى:

«لن أبحث مطلقا عما إذا كان للأجناس و الأنواع وجود فى الخارج، أو هى مجرد تصوّرات فى الذهن؟ و إن كانت موجودة فى الخارج فهل هى جسمية أو لا جسمية؟ و إن كانت لا جسمية فهل هى مفارقة للمحسوسات أو لا وجود لها إلا فيها؟ هذا بحث دقيق و يقتضى مناقشة طويلة لا يتسع لها موضوعنا» [٢].

وضع فرفوريوس المشكلة إذن، و ترك للخلف حلها.

و الأمر هو أن لدينا الأشخاص من جانب، و الأجناس و الأنواع من جانب آخر. و نحن نقرر وجود الأولى لأننا نراها و نلمسها و نحس بها فى اختصار، أما الثانية فسبيلنا إليها تصوّر ذهنى محض. فهل نعترف لها بوجود واقعى كوجود الأشخاص، أو هى ليست إلا ضربا من التجريد الذي كوّنه الذهن و اللغة، أو نثبت لها وجودا من نوع خاص غير الوجود الحسى؟ هذه هى المذاهب الثلاثة التي أثارتها مشكلة الكليات، و هى الواقعية، و الاسمية، و التصوّرية.

فالواقعيون، و فى مقدمتهم القديس أنسيلم، يرون أن الأجناس و الأنواع أشياء موجودة، بل هى كل الأشياء، لأنها النماذج الأولى للعالم الحسى جميعه‌ [٣].

و الاسميون، و على رأسهم رسلان، يذهبون إلى أنها ليست إلا مجرد ألفاظ


[١]

Charles, Nominalisme, dans Dict. d. sc. philos., p. ١١٩٨.

[٢]Porphyre ,Introduction ,ch .I ,S ٣

[٣]

Charles, Realisme, dans Dict. d. sc. ph s., p. ١٤٦٢; Gilson, La philos. au moyen age, Paris, ١٩٢٢, t. I, p. ٢٧ et suiv.