الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٦٤
تدل على أفكار عامة، و بما أنها لا ترى فلا وجود لها، لأن الموجود هو المرئى وحده [١]. و رغبة فى التوفيق بين هذين الطرفين المتقابلين ينحو التصوريون، و منهم أبيلار، منحى وسطا، فيقولون إن الكليات ليست أشياء و لا ألفاظا، و إنما هى تصوّرات ذهنية؛ و إذن لها وجود ذهنى منطقى، أما خارج الذهن فلا وجود لها بحال [٢]. و لهذه الاتجاهات الثلاثة أثرها فى الفلسفة المسيحية، و خاصة فى القرنين الحادى عشر و الثاني عشر [٣].
و كان طبيعيا أن تلفت عبارة فرفوريوس أنظار المسلمين بدورهم، و لكن من الخطأ أن يظن أنها أثارت لديهم ما أثارته لدى المسيحيين [٤]. و أوضح صدى لها، فيما وصلنا، ما نلحظه عند ابن سينا فى" المدخل"، فيعقد لها فصلا من أطول فصوله، عنوانه:" فى الطبيعى و العقلى و المنطقى" [٥]. و فيه يبين أن للمعانى أنواعا ثلاثة من الوجود، فهى موجودة أزلا فى العقل الفعال مع الصور و النفوس البشرية، قبل الكثرة و الأعيان الخارجية[٦]. و موجودة أيضا فى الكثرة و الأعيان الخارجية وجودا عرضيا و بالقوة، لأنها أفرادها و ما صادقها، و كل كلى موجود فى أفراده[٧]. و موجودة أخيرا فى الذهن بعد الكثرة و الأعيان الخارجية، لأنها مستمدة منها و مأخوذة عنها[٨]. و من هنا نشأت الأقسام الثلاثة للجنس: طبيعى قبل الكثرة، و عقلى فى الكثرة، و منطقى بعد الكثرة.
[١]
Charles, Nominalisme dans Dict. d. sc. Philos., p. ١١٩٨.
[٢]
Id., Abailard, Conceptualisme, dans Dict. d. sc. philos., p. ٢- ٣; ٢٩٠.
[٣]
Jourdain, La philos. de St. Thomas d' Aquin, Paris ١٨٥٨. t. I., p.
٢٦٣ et suiv.
[٤] يزعم شميلدرز)Essai ,p .٧( و كارا دىفو.)Aflatun ,dans Encyc .de l ' Islam( خطأ أن مشكلة الكليات وجدت لدى المتكلمين أو الفلاسفة المسلمين بقدر ما عرفت لدى المسيحيين.
[٥] ابن سينا، المدخل، ص ٦٥- ٧٢.
[٦] المصدر السابق، ص ٦٧.
[٧] المصدر السابق، ص ٦٦.
[٨] المصدر السابق، ص ٦٩.