الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٩
و ليس معنى هذا أن تعلم المنطق يعصم حتما من الخطأ، فكم من مناطقة يخطئون.
و لكن كثيرا ما يرجع خطؤهم إلى أنهم لم يستوفوا صناعتهم، أو لم يلتزموها فى بعض المواضع و عولوا على الفطرة، أو لم يحسنوا استخدامها. و مهما يكن فخطأ صاحب العلم و الصناعة أقل بكثير من المحروم منهما. و نسبة المنطق إلى الروية الباطنة التي تسمى النطق الداخلى، كنسبة النحو إلى العبارة الظاهرة التي تسمى النطق الخارجى، أو كنسبة العروض إلى الشعر [١]. و قد تغنى الفطرة البدوية عن النحو، كما تغنى القريحة الشعرية عن العروض [٢]. أما صناعة المنطق فلا غنى عنها لمن يحاول اكتساب العلم بالنظر و الروية [٣].
قد لا يستساغ اليوم كثيرا ذلك الإسهاب فى بيان قواعد المنطق و منفعته، إلا أنه كان طبيعيا و ضروريا فى عصر ابن سينا. كان طبيعيا لأن البحث فى ثمرة كل علم جزء من مقدماته اللازمة [٤]. و ضروريا لأن الدراسات الفلسفية كانت تقاس بمقياس الحاجة و الفائدة، بل و بمقياس الشرع أيضا، فحرم بعضها و أبيح البعض الآخر. و المنطق خاصة مما أجيز الاشتغال به على الأرجح، لما فيه من مزايا، و لأنه لا يتعلق بشيء من الدين نفيا و إثباتا [٥]. و ربما كان لازما و مما ينبغى تحصيله، لأنه يعين على إثبات وجود اللّه و صفاته[٦].
[١]" النطق الداخلى" و" النطق الخارجى" تعبيران لابن سينا يذكراننا بتقابل آخر مشهور لدى الرواقيين و هو
[٢] ليس ابن سينا أول مبتكر لتشبيه المنطق بالنحو أو بالعروض، فقد سبقه الفارابى إلى ذلك (إحصاء العلوم، ص ٥٨- ٦٢)؛ و ردّده الغزالى (معيار العلم، ص ٢٦)؛ و أخذ به المناطقة المتأخرون، و كلنا يذكر بيت" السلم" المشهور:
|
و بعد فالمنطق للجنان |
نسبته كالنحو للسان |
|