الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٥

٢- موضوعه و منفعته:

العلم ضربان: تصوّر يراد به إدراك المفرد كما يتصوّر الإنسان أو الحساس، و تصديق يراد به إدراك النسبة فيضم مفردان أحدهما إلى الآخر، و تعقد بينهما صلة تحتمل الصدق أو الكذب، مثل قولنا: الإنسان حساس. و واضح أن كل تصديق يقتضى تصوّرا، و لا عكس‌ [١]. هذان فى رأى ابن سينا هما بابا المعرفة العادية الوحيدان، بعد الفطرة و البديهة التي هى فى الحقيقة قليلة المعونة، لأن العلم فى أغلبه مكتسب لا فطرى‌ [٢]. و ندع جانبا المعرفة، القائمة على الكشف و الإلهام، لأنها مقصورة على فريق قليل من الناس مؤيد بعون من اللّه‌ [٣].

و ما أشبه تصوّره بالإدراك الحسى فى علم النفس الحديث، و تصديقه بالحكم و إن كان حكمه يقتضى ضربا من الجزم و الاعتقاد على نحو ما يرى اسبينوزاوتين‌ [٤]. ذلك لأنه حكم يقوم على تفكير و روية، أو بعبارة أخرى هو حكم منطقى، لا مجرد ربط بين طرفين كما يحدث فى أحكامنا الدارجة التي لا حصر لها. و من هنا اختلط الحكم لديه بالاستدلال، فتصديقه يشمل الأمرين معا.

و نحن لا ننكر أن الاستدلال حكم مركب، و لكنهما سيكلوجيا عمليتان عقليتان متميزتان.

و مهما يكن من أمر هذا الخلط المألوف فى الدراسات السيكلوجية القديمة، فإن ابن سينا يجد فى التصوّر و التصديق الدعامة الأولى للمنطق، فعليهما تعتمد النظريات المنطقية المختلفة، و ليس ثمة منطق إلا وله أساس من علم النفس.

فتصوّراتنا و تصديقاتنا تخطئ و تصيب، و لا بد من وضع قواعد لكل منها.


[١] ابن سينا، المدخل، ص ١٧.

[٢] المصدر السابق، ص ١٦- ١٧.

[٣] المصدر السابق، ص ٢٠.

[٤]

Delacroix, Traite de Psychologie, Paris, ١٩٢٤, t. LL. p. ١٤٦.