الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٥٤
و الرواقيين، و لا ندهش له من موفق كابن سينا. على أنه لا يتردّد فى أن يعلن أن «المشاجرات التي تجرى فى مثل هذه المسألة فهى من الباطل و من الفضول: أما من الباطل فلأنه لا تناقض بين القولين، فإن كل واحد منهما يعنى بالفلسفة معنى آخر، و أما من الفضول فإن الشغل بأمثال هذه الأشياء ليس مما يجدى نفعا» [١].
و مهما يكن من أمر هذا الخلاف و فضه، فإن ابن سينا يرى أن المنطق ذو طابع نظرى و عملى فى آن واحد، فهو علم لما يشتمل عليه من قوانين و قواعد و دراسات نظرية، و آلة توصل إلى استخلاص المجهول من العلوم [٢].
أو بعبارة أخرى هو علم آلى، كما يسميه أحيانا [٣]. و هذا ما استقر عليه تقريبا رأى كبار فلاسفة الإسلام. فالفارابى يقول إن القوانين المنطقية تمتحن بها المعقولات، كما تقاس الأجسام بالموازين و المكاييل [٤]. و الغزالى يسمى المنطق تارة علم الآلة و أخرى علم الميزان [٥]. و ابن رشد، على نحو شبيه بابن سينا، يعده بين الصنائع المعينة و المسددة فى الدراسات الفلسفية[٦]. و لسنا فى حاجة أن نشير إلى أن لفظ" الآلة" العربى وليد لفظ الooyavov اليونانى، كما تولدت عنه ألفاظ أخرى بنفس المعنى فى اللاتينية و اللغات الأوربية الحديثة[٧].
[١] المصدر السابق، ص ١٦.
[٢] المصدر السابق.
[٣] ابن سينا، منطق المشرقيين، ص ٨.
[٤] الفارابى، إحصاء العلوم، ص ٥٤.
[٥] الغزالى، معيار العلم، القاهرة، ١٩٢٧، ص ١٢.
[٦] ابن رشد، ما بعد الطبيعة، طبعة القاهرة، ص ٢.
[٧] نكتفى بأن نشير إلى:
) a (Novum organum de Bacon.
) b (L' art de penser de Port- Royal.