الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٣
سنعرض له بعد قليل [١]. و موضوعه ينصب على ما يمكن أن نسميه الفلسفة السينوية فى أوسع معانيها، تلك الفلسفة التي عالجتها مؤلفات ابن سينا الأخرى، على أن من بين هذه المؤلفات ما صرح باسم" الشفاء" نصا و أحال عليه [٢].
٢- متى و كيف ألف؟:
قد لا يكون ثمة كتاب فى حجم الشفاء ألف فى ظروف شبيهة بتلك الظروف التي ألف فيها، فلم يحظ مؤلفه بالاستقرار الضرورى للتصنيف و التبويب، و مع ذلك أخرجه على أدق ما تكون الكتب تنسيقا و ترتيبا. و لم ينعم بما ينبغى من هدوء و سكينة تمكن الباحث من أن يحلل و يعلل، و يناقش و يفصل، و إنما كتبه أو أملاه فى مرحلة من أكثر مراحل حياته اضطرابا و قلقا. اتصل بالسياسة فشرب من حلوها و مرها، و استوزر فثار عليه الجند، و جلبت عليه الوزارة ما جلبت من أحقاد و خصومات [٣]. أملاه بين السفر و الإقامة. داخل السجن و خارجه، و كأنما كان يتحين فرص الخلوة و الانفراد، فيسارع إليه ليقطع فيه شوطا.
و من أغرب ما يلاحظ أنه كتبه جميعه- فيما عدا المنطق- و ليس أمامه مصدر يرجع إليه، و لا نص ينقل عنه؛ اللهم إلا لوحات حصر فيها رءوس المسائل، و كان يرجع إليها من حين لآخر ليلتزم الترتيب الذي ارتضاه. و إذا بدأ مسألة وفاها حقها من الشرح، ثم انتقل إلى التي تليها، و هكذا [٤]. و المنطق
[١] ص (١٤).
[٢] ابن سينا، منطق المشرقيين، القاهرة، ١٩١٠، ص ٤؛ و انظر هنا، ص (٢١).
[٣] القفطى، تاريخ الحكماء، ص ٤١٩.
[٤] المصدر نفسه، ص ٤٢٠.