الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٢٩
حقا إن حملة الغزالى على الفلسفة و الفلاسفة سدت الطريق فى وجهه، و صرفت عنه كثيرين، و لكن ما بقى فى الإسلام من دراسات فلسفية مدين له.
و لم تعد مدرسة الأندلس على شىء من نفوذه فى الشرق، برغم مجيئها بعده، و تعدد رجالها، و عظم منزلتهم، و خاصة ابن رشد الذي خلف ثروة فلسفية طائلة.
و يظهر أن حظ هذه المدرسة ارتبط بحظ الأندلس جميعه، لهذا لم يكن غريبا أن نرى ابن رشد أوثق صلة بالعالم اللاتينى منه بالعالم العربى [١].
و لقد تدورست كتب ابن سينا من بعده، و كان الإقبال على" النجاة" و" الإشارات" عظيما. إلا أن هذا لم يصرف طلاب الفلسفة عن" الشفاء" لا سيما و فيه مادة لا يغنى عنها الكتابان الآخران، و كلما امتد البحث إلى التفاصيل و الدقائق بدا لزومه و اشتدت الحاجة إليه. فالغزالى مثلا فى" تهافت الفلاسفة"، و الشهرستانى فى" نهاية الإقدام" حين يفصلان القول فى حدوث العالم و استحالة قدمه يحكيان على لسان ابن سينا آراء استمدا أغلبها من" الشفاء" [٢]. و لسنا فى حاجة أن نشير إلى أن ابن رشد كثيرا ما ينقل عن" الشفاء" مؤيدا أو معارضا، و يصرح باسمه فى بعض كتبه [٣]. و ندع جانبا نصير الدين الطوسى الذي يعد من تلاميذ ابن سينا المخلصين، و إن تأخر عنه بنحو قرنين و نصف، و موقفه من فخر الدين الرازى و معارضته له بسبب الآراء السينوية معروف [٤]. و قد أدرك ابن خلدون ما" للشفاء" من أهمية، فنوّه عنه فى غير ما موضع من" مقدمته" [٥].
[١]
Renan, Averroes et l ' averroisme, Paris, ١٩٢٥, pp. ٣٦- ٤٢.
[٢] الغزالى، تهافت الفلاسفة، بيروت، ١٩٢٧، ص ٢٣- ٧٨، ٧٩- ١٣٢؛ الشهرستانى، نهاية الإقدام، لندن، ١٩٣٤، ص ٢٥- ٢٩، ٣٣- ٣٥، ٢٢٤- ٢٢٥. و مما يلفت النظر أن هذين الباحثين تعاصرا فتلاقيا إلى حد كبير فى اتجاههما، دون أن يتقابلا فيما يظهر.
[٣]Nallino ,art .cit .
[٤] نصير الدين الطوسى، شرح الإشارات، و بهامشه شرح الرازى، القاهرة ١٣٢٥ ه؛ قطب الدين الرازى، المحاكمات بين الإمام و النصير، القاهرة ١٢٩٠ ه.
[٥] ابن خلدون، مقدمة، بيروت، ١٨٧٩، ص ٤٢١، ٤٢٤، ٤٢٩.