دور الشيعة في بناء الحضارة الاسلامية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦ - ٩-قدماء الشيعة و علم أصول الفقه
و عمق النظر، و غزارة الانتاج.
هذا هو الشيخ الطوسي الذي ألّف المبسوط في الفقه المقارن (في ٨ أجزاء) في زمن كانت الفتن الطائفية على أوجها، و الشيعة هم الضحية في هذه المخاضات العسرة، و التي امتدت ألسنتها نحو الشيخ الطوسي نفسه، فأحرقت داره، و مكتبته في كرخ بغداد، فالتجأ سرّا إلى النجف الأشرف، تاركا بلده الذي عاش فيه قرابة نصف قرن، و أين هؤلاء من الفقهاء الذين تنعّموا بالهدوء و الاستقرار، و استقبلتهم السلطات الحاكمة بصدر رحب، و أجيزوا مقابل أبيات معدودة من الشعر الرخيص، أو كتيب أو رسالة صغيرة بالهبات و العطايا.
٩-قدماء الشيعة و علم أصول الفقه:
إنّ السنّة النبوية بعد القرآن الكريم هي المصدر للتشريع، و قد سبق أنّ الخلافة-بعد رحلة الرسول ٦-حالت دون تحديث ما تركه بين الأمّة، و كتابته و تدوينه. فلم تدوّن السنّة إلى عصر أبي جعفر المنصور، إلاّ صحائف غير منظّمة و لا مرتّبة، إلى أن شرع علماء الإسلام في التدوين سنة ٥٣ ه [١] .
إنّ الحيلولة بين السنّة و تدوينها و نشرها أدّت إلى نتائج سلبية عظيمة، منها قصور ما وصل إلى الفقهاء في ذلك العصر صحيحا من الرسول ٦ عن تلبية متطلّباتهم في مجال الأحكام. حتى اشتهر عن إمام الحنفية أنّه لم يثبت عنده من أحاديث الرسول ٦ في مجال التشريع إلاّ سبعة عشر حديثا.
[١] -جلال الدين السيوطي: تاريخ الخلفاء ٢٦١.