دور الشيعة في بناء الحضارة الاسلامية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥ - ٧-قدماء الشيعة و علم الحديث
معاوية، فأصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، و عدّت الكتابة شيئا منكرا مخالفا لها.
إنّ الرزيّة الكبرى هي المنع عن التحدّث بحديث رسول اللّه ٦ و كتابته و تدوينه، و فسح المجال في نفس الوقت للرهبان و الأحبار للتحدّث بما عندهم من صحيح و باطل، و لقد أذن عمر لتميم الداري النصراني الذي استسلم في عام تسعة من الهجرة أن يقص [١] .
و لما تسنّم عمر بن عبد العزيز منصب الخلافة، أدرك ضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة، أن يقوم بتدوين الحديث قائلا: إنّ العلم لا يهلك حتى يكون سرّا [٢] .
و مع ذلك فلم يقدر ابن حزم على القيام بما أمر به الخليفة، لأنّ رواسب الحظر السابق المؤكد من قبل الخلفاء حالت دون أمنيته، إلى أن زالت دولة الأمويين و جاءت دولة العباسيين، فقام المسلمون بتدوين الحديث في عصر أبي جعفر المنصور سنة ١٤٣ هـ، و أنت تعلم أخي القارئ الكريم انّ الخسارة التي لحقت بالتراث الإسلامي من منع تدوين السنّة لا تجبر بتدوينه بعد مضي قرن ونيّف، و بعد موت الصحابة و كثير من التابعين الذين رأوا النور المحمدي و سمعوا منه الحديث، و لم يحدثوا ما سمعوه إلاّ سرّا و من ظهر القلب إلى مثله.
أضف إلى ذلك أنّ الأحبار و الرهبان و المأجورين للبلاط الأموي نشروا كلّ كذب و افتراء بين المسلمين.
[١] -كنز العمال ١٠/٢٨١.
[٢] -صحيح البخاري ١/٢٧.