دور الشيعة في بناء الحضارة الاسلامية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٨ - ١٢-قدماء الشيعة و العلوم العقلية
يُوقِنُونَ [١] فعالج المشاكل العلمية و الفلسفية تارة بالدعوة إلى النظر في الكون نظرة ثاقبة فاحصة، و أخرى بالحث على التفكير في المعارف باسلوب منطقي و برهاني، و بذلك أيقظ عقول المسلمين و حثّهم على التأمل و التدبر في العلوم المختلفة، دون التقليد الأعمى و التتبع غير المتبصر، و جعل لأولئك المكانة المتميزة.
غير أنّ المسلمين سوى قليل منهم تنكّبوا عن هذا الطريق، خصوصا في ما يرجع إلى المعارف العليا، فصاروا بين مشبّه و معطّل، فالبسطاء منهم بنوا عقائدهم بالجمود على المفردات الواردة في الكتاب و السنّة، و بذلك استغنوا عن أيّ تعقّل و تفكّر، إلى أن بلغت جرأتهم إلى حدّ قال بعضهم في الخالق: اعفوني عن الفرج و اللحية و اسألوني عمّا وراء ذلك [٢] ، فهؤلاء هم المجسّمة و المشبّهة، و أمّا غيرهم فاختاروا تعطيل العقول عن التفكّر في اللّه سبحانه، فقالوا: أعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبيّة، فمن شغل ما أعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية فاتته العبودية، و لم يدرك الربوبية [٣] .
فالأكثرية الساحقة في القرون الأولى كانوا بين مشبّه و معطّل، غير أنّه سبحانه شملت عنايته أمّة من المسلمين رفضوا التشبيه و التعطيل، و سلكوا طريقا ثالثا و قالوا بأنّه يمكن للانسان التعرّف على ما وراء الطبيعة بما فيها من الجمال و الكمال عن طريقين:
[١] -الطور/٣٥-٣٦.
[٢] -الشهرستاني: الملل و النحل ١/١٠٥ ط دار المعرفة، لبنان.
[٣] -علاقة الاثبات و التفويض نقلا عن الحجة في بيان المحجة ٣٣.