نهاية النهاية في شرح الكفاية - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١٧ - استحقاق العقوبة و المثوبة على وفق القطع
و مزجه بها مزجا، تحتاج فيه تصفية كل من الكلامين عن الآخر إلى إمعان النّظر و البحث عن مسألة التجري وظيفة من يقول: بأنّ العقاب أو الثواب في المعصية و الإطاعة الحقيقيّتين على الفعل. و امّا من يقول: بأنّهما على القصد أو على تلك الخصوصية الذاتيّة المستتبعة للقصد، ففي راحة عن هذا البحث. و أيضا نزاع القائلين بترتبهما على الفعل نزاع صغروي، فانّهم مع قصدهم الثواب و العقاب على الإطاعة و المعصية الحقيقيّتين، يبحثون عن ترتبهما على التجري و الانقياد بحثا صغرويا، و هو:
انّ القطع بحرمة شيء ليس بحرام، أو وجوب شيء ليس بواجب، هل يوجب انقلاب الفعل عما هو عليه من الحسن و القبح، بتأثير منه في ذلك، و كذلك يوجب انقلاب الّذي كان عليه، فيصير الفعل المباح بالقطع بحرمته قبيحا و حراما، و يكون إتيانه حينئذ معصية، فيستحق عقاب العصاة. و كذلك جانب القطع بالوجوب، أو لا يوجب الانقلاب، و ليس القطع من العناوين المؤثرة في الحسن و القبح و الإيجاب و التحريم.
و الحاصل: ان النزاع واقع في انه هل من العناوين القبيحة فعل مقطوع القبح، و بالملازمة يثبت تحريمه شرعا، ثم يترتّب عليه استحقاق العقاب؟
و الإنصاف: انّ سلب كونه من العناوين القبيحة ليس بذلك الوضوح، بل لا تبعد دعوى ذم العقلاء على إتيان ما يعتقد الشخص قبحه، فلو أرسل العبد ماءً أو أجّج نارا أو ألقى حائطا، باعتقاد انّ ذلك يقع على مولاه و يهلكه، و كذا لو أرسل إليه سبعا أو ألقى نفسه من شاهق، فانّه يذم في كل ذلك على فعله، فيكشف ذلك عن قبحه، و حيث انه لا قبح في ذاته، يكشف ذلك عن انّ القبح قد أتى إليه من قبل وصف القطع بالقبح.
نعم، فيما إذا تجري بفعل واجب أو ترك حرام، لا يبعد من عدم استحقاق الذم و اللوم على الفعل، و إن كان ملوما من حيث الخبث الفاعلي، أو يوازن بين جهات الواقع و جهات التجري، فيحكم بتأثير الأقوى منهما ملاكا، فيمكن على ذلك اتّصاف الفعل المتجري به بكل من الأحكام الخمسة، كما ذهب إليه بعض الفحول.