نهاية النهاية في شرح الكفاية - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١٠٩ - في الأدلة الدالة على أصالة البراءة في الشبهة البدوية
ذلك هو كون مباشرة الأفعال اقدام على التصرف فيما يرجع امره إلى الغير، فانّ العالم برمته للّه تبارك و تعالى، و لا يجوز لأحد التصرف في شيء منه إلاّ بإذنه تعالى، و فيه انّ العقل انّما يحكم بذلك بمناط انّ التصرف بغير إذن المالك مزاحمة لسلطان المالك، و فيما نحن، المتصرف و ما تصرف فيه كله في قبضة اللّه تعالى، و أيّ عقل يحكم بأنّ الأثمار تبقى على أصولها حتّى تخيس و لا ينتفع بها الآكلون.
نعم، لو سلّمنا حكم العقل هذا، لم يكن وجه للفرق بين المقام و بين ما قبل الشرع، فانّ مناط الحكم في المقامين واحدا، فان كان حكم العقل في أحدهما هو الحظر، كان حكمه في الآخر أيضا ذلك، و إن كان حكمه في أحدهما الإباحة و قبح العقاب بلا بيان، كان حكمه في الآخر أيضا هو ذلك.
قوله: لا وجه للاستدلال بما هو محل الخلاف: (١) لكن الاستدلال به يجدي في إلزام القائلين بالحظر في تلك المسألة بالقول به هنا، لما عرفت، من: اتحاد مناط الحكم فيهما منعا و جوازا.
قوله: و ثالثا: انّه لا يستلزم: (٢) قد عرفت اتحاد طريق المسألتين و لا تختص إحداهما بأمر لا يجدي في الأخرى. و ما نقله المصنف في مقام الفرق بينهما بقوله: و ما قيل من انّ الإقدام على ما لا يؤمن المفسدة فيه، كالإقدام على ما تعلم فيه المفسدة، مشترك بين المسألتين لا يختص بإحداهما.
قوله: ممنوع، و لو قيل: (٣) قد تقدم انّا لا نعقل للمفسدة معنى غير الضرر، و على تقدير تعدادهما مشتركان في حكم العقل بوجوب دفع محتملهما و لا وجوبه، مع انّ احتمال أن يكون ملاك الحكم في المشتبه هو الضرر، كاف في اندراجه تحت قاعدة دفع الضرر المحتمل، و دعوى ضعف الاحتمال المذكور على إطلاقها، كاف في اندراجه تحت قاعدة دفع الضرر المحتمل و دعوى ضعف الاحتمال المذكور على إطلاقها، ضعيف، فربما يكون قويا جديا، و عليه، فينبغي التفصيل بين موارد الشبهات، مع انّه لم يذهب إليه أحد.
قوله: مع انّ الضرر ليس دائما ممّا يجب التحرز عنه: (٤) لكن لا يبعد دعوى وجوب