نهاية النهاية في شرح الكفاية - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١٠٤ - في الأدلة الدالة على أصالة البراءة في الشبهة البدوية
فيما استدلّ به على الاحتياط في الشبهة البدوية قوله: مع انّ هناك قرائن دالّة على انّها للإرشاد: (١) قرائن الإرشاد ليست في جميع الاخبار، بل في مثل «أخوك دينك فاحتط لدينك» و نظائره، مع انّ حمل الأمر على الإرشاد لا يجدي القائل بالبراءة، فانّ معنى الإرشاد هو أن يكون الأمر صادرا من مصدر العقل، و المولى بما هو أحد العقلاء قد تكلّم به لا بما هو مولى، و قضية ذلك عدم جعل تعبدي من قبل المولى، و كون الحكم هو حكم العقل، لكن ذلك لا يقتضي قصر وجوب الاحتياط بمورد يحكم العقل حكما فعليا بوجوب الاحتياط فيه، بل يعمّ وجوبه موارد وجود ملاك حكم العقل بوجوب الاحتياط، لأهمية التكليف المشتبه، و إن لم يدرك العقل هذه الأهمية.
و بالنتيجة: عدم حكمه فعلا بالاحتياط، فإذا عمّ الأمر الإرشادي الإيجابي حسب ظاهر الدليل جميع موارد الشبهة كشف ذلك عن ثبوت هذه الأهمية في جميع تلك الموارد، و يشهد على عدم اعتبار فعلية حكم العقل في تحقق الأمر الإرشادي، انّ أوامر الطبيب إرشادي مع انّ العقل لا يحكم صغروية في مواردها، بل من أمر الطبيب يستكشف عن وجود ملاك إلزام العقل.
و بالجملة: لا سبيل إلى المناقشة في اخبار الاحتياط سندا، فانّها متظافرة إن لم تكن متواترة، و لا دلالة برميها إلى كلّ مرمى سحيق، فانّ فيها ما هو نصّ في الوجوب، فلا سبيل إلى حملها على الاستحباب، و كيف يحمل على الاستحباب قوله عليه السلام: «ليس بناكب عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط».
و قد عرفت ما في التخصيص و الحمل على الإرشاد، و مع ذلك فالحق في المسألة هو البراءة لعدم التعارض بين اخبار الطرفين، و ورود اخبار البراءة على اخبار الاحتياط، فانّ اخبار البراءة تفيد حلّ المشتبه، فيخرج بذلك عن موضوع الشبهة و يدخل في الحلال البيّن، فانّ ظاهر الشبهة ما لم يعلم حكمه بوجه من الوجوه و بعنوان من العناوين، حتّى بعنوان مشتبه الحكم، كما انّ ظاهر الحلال و الحرام