نهاية النهاية في شرح الكفاية - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١٢٧ - في دوران الأمر بين المتباينين
كذلك لا يقتضي وجوب الاحتياط على طبق علمه الإجمالي ما لم يكن التكليف بنفسه مستمرا، فانّ مجرد تعلق التكليف بأمر مستمر لا يقتضي وجوب إتيان ذلك المستمر في العلم التفصيليّ، فضلا عن المقام، بل لا بدّ من استمرار نفس التكليف أيضا، و نظيره إباحة المالك للتصرف في أمواله أبدا، فان مجرد ذلك لا يوجب حلّ التصرّف أبدا ما لم يستمر الإباحة و الرضي بنفسها و لو بالاستصحاب و حينئذ إذا تردد التكليف بين أن يكون متعلقا بفعل كذا و باقيا، و بين أن يكون متعلقا بفعل آخر و مرتفعا. فالحكم الاحتياط بإتيان الطرفين ما دام القطع بالتكليف باقيا، فإذا ارتفع القطع يرجع إلى البراءة، لأنّ علمه الإجمالي ينحل إلى مقدار من التكليف معلوم بالعلم التفصيليّ، و مقدار آخر مشكوك بالشك الابتدائي، و لا يضرّ في ذلك انّ التكليف حين ما علم توجهه كان متوجها في أحد الاحتمالين بفعل مستمر لما أشرنا إليه انّ مجرد تعلقه بفعل مستمر لا يوجب الإتيان بالفعل مستمرا ما لم يكن التكليف بنفسه مستمرا. و استصحاب كلي التكليف لا يثبت تعلق التكليف بذلك الطرف المستمر تكليفه، و ما لم يثبت لا يكون له أثر.
نعم، الاستصحاب يجري إذا تردد تكليف متعلق واحد بين دائم و منقطع، هذا إذا اضطر إلى واحد معيّن من الطرفين بعد العلم الإجمالي، امّا إذا اضطر إلى واحد غير معيّن، ففيما ذكرناه من التفصيل: لا فرق في ذلك بين السابق منه على العلم الإجمالي و بين اللاحق. و المصنف أيضا لم يرجع في البحث بالنسبة إلى هذه الصورة عن ما اختاره هنا. و قد صرّح بذلك في حاشية منه ألحقها بالكتاب، فراجع.
ثم لا فرق في ما ذكرنا بين أن يرتفع التكليف من أحد الجانبين بالاضطرار أو بسائر الأمور الأخر، مثل الخروج عن محل الابتلاء أو فقد الطرف و لو بشرب أحد الإناءين المعلوم خمرية أحدهما. و حينئذ فيشرب الجانب الآخر أيضا، و لا ضير في الالتزام به. فيقال: يجب الاجتناب من الأطراف ما دام العلم الإجمالي باقيا، فإذا زال، و لو بارتكاب بعض الأطراف، جاز ارتكاب البعض الآخر أيضا، و لا وجه للاستبعاد.