نهاية النهاية في شرح الكفاية - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ١١٩ - في الأدلة الدالة على أصالة البراءة في الشبهة البدوية
انضمّ إلى الحكم بالإباحة شرعا صار الحكم هو البراءة عقلا و نقلا، و هو الوجه الأول، فانّه يقال: التخيير بين الفعل و الترك ليس بمناط قبح العقاب بلا بيان لما سيجيء من عدم قصور البيان، فانّ البيان يشمل البيان الإجمالي، و هو هنا حاصل، بل البيان بالنسبة إلى جنس الإلزام تفصيلي، بل بمناط عدم الترجيح بينهما و بطلانه بلا مرجح.
و الحق في المسألة هو البراءة عقلا فقط عكس ما اختاره المصنف «ره»، فانّ موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو عدم البيان المحرك نحو الفعل أو الترك المصحح للعقاب و هذا العدم هنا حاصل فانّ البيان الإجمالي المردد بين الإيجاب و التحريم لا يكون محركا نحو شيء منهما في حكم العقل، فلا يكون مجوزا للعقاب، فيكون وجوده كعدمه، و يكون العقل على حكمه الأصلي من قبح العقاب بلا بيان، و إن ضايقت من ذلك قلنا: للعقل حكم آخر بقبح العقاب، و ذلك في موضوع البيان الإجمالي للإلزام، بل العقاب على خصوص كلّ من الفعل أو الترك مستندا إلى هذا البيان الإجمالي أقبح من العقاب معترفا بعدم البيان رأسا، و امّا أدلّة البراءة النقليّة فموضوعها أو منصرفها ما لم يعلم فيه بإلزام امّا بالفعل أو الترك، و هنا قد علم فيه ذلك، فظهر انّ أصالة التخيير، أعني كون الحكم عند دوران الأمر بين وجوب شيء و حرمته، هو ما اختاره المكلف لنفسه منهما باطل لم يقم عليه دليل، بل الدليل قائم على البراءة مضافا إلى انّه غير معقول، فانّ الإيجاب و التحريم من فعل الغير، و هو الشارع، فكيف يتعلق به اختيار المكلف، مضافا إلى أن تبعية الاختيار ينافي حقيقة التكليف، الّذي هو القهر و الإكراه، إلاّ أن يقال: انّ جنس الإلزام يكون بالقهر، و إن كان كلّ من حديه بالاختيار، هذا مع انّه يحتاج إلى تكليف آخر باختيار أحد الحكمين في حق نفسه و إلاّ فله أن لا يختار شيئا منهما، فلا يكون في حقّه شيء من الحكمين، بل لو التزمنا بهذا التكليف أيضا كان في صورة عصيان واحد لهذا التكليف، لعدم توجه التكليف إيجابا، و تحريما بالنسبة إلى الواقع لفرض عدم اختياره.