دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٢٨٦ - المقدمة المفوّتة
و نقول:
الظاهر عدم ثبوت الحكم الشرعي في هذا المورد أصلا، لما عرفت من انّ الحكم
العقلي المستتبع للحكم الشرعي انما هو حكمه في مرحلة ملاكات الأحكام بان
أدرك العقل ثبوت المصلحة، أو المفسدة في شيء، كما أدرك المفسدة في الظلم
وانه موجب لاختلال النظام وفناء النوع، وأمثال ذلك، فالشرع أيضا حكم
بحرمته، وأمّا حكمه باستحقاق العقاب في مورد فلا يستتبع الحكم الشرعي أصلا،
لأنه حكم واقع في سلسلة معلول الحكم الشرعي وملاكه فكيف يعقل ان يكون
مستتبعا له، مضافا إلى انّ ثبوت الحكم المولوي في مثل ذلك لغو محض بعد
استقلال العقل باستحقاق العقاب على الترك كما فيما نحن فيه، وهو واضح، فما
هو ثابت بالوجدان انما هو حكم العقل لا الشرع.
فالكبرى الكلية التي أفادها مع قطع النّظر عن ما ذكره من استتباع الحكم
الشرعي تامة، ويترتب عليها فروع كثيرة، إلاّ انّ الكلام في تحقق صغراها،
فانه ذكر قدّس سرّه في وجه عدم دخل القدرة في الملاك ما حاصله: انه لو امر
المولى بشيء فمدلول كلامه مطابقة انما هو وجوب ذلك الشيء، ومدلول ذلك
التزاما هو ثبوت ملاك الوجوب فيه، فمدلوله المطابقي وهو التكليف يقيد عقلا
بالقدرة لقبح تكليف العاجز. واما مدلوله الالتزامي وهو ثبوت الملاك الملزم
في العمل فلا وجه لتقييده بحال القدرة، فيبقى على إطلاقه، فيستكشف منه ثبوت
الملاك حتى في فرض عجز المكلف، انتهى.
و فيه: انّ المدلول الالتزامي يتبع المدلول المطابقي ثبوتا وسقوطا، وحجّية
وإطلاقا وتقييدا على ما سنبيّنه في بحث الضد، فإذا قيد المدلول المطابقي
فلا يبقى المدلول الالتزامي على إطلاقه، فيحتمل سقوط الملاك عند العجز كما
يحتمل بقائه، فما ذكره من استظهار بقاء الملاك عند العجز في جميع الواجبات
غير تام ويزيد ما ذكرناه انه لو كان الأمر كذلك وأحرز إطلاق القدرة حتى في
حال العجز لكان اللازم