دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ١٦٧ - مناقشة صاحب الكفاية فيما ذكره من انقسام الإرادة إلى التكوينية والتشريعية
يكون
مختارا، فثبوت الاختيار في الإنسان غير محتاج إلى جعل مستقل، وعليه فحيث
انّ الاختيار فعل العبد ويكون دخيلا في تحقق فعله الاختياري يستند الفعل
إلى العبد، وحيث انّ بعض أسبابه وهو العلم والإدراك يكون جعله من اللّه
تعالى يستند الفعل إليه جلّ شأنه، وهذا معنى أمر بين أمرين، وفي كلامه صغرى
وكبرى وتطبيقا نظر.
و الحاصل: انه تلخّص مما ذكر ان أفعال العباد ليست مخلوقة للّه تعالى كما
ذهب إليه الأشاعرة، ولا هي معلولة للإرادة كما ذهب إليه الفلاسفة، بل هي
فعل العبد صادرة باختياره.
نعم القدرة على ذلك آنا فآنا تكون من اللّه تعالى، حتى في حال العصيان،
وهذا معنى الأمر بين أمرين، كما ورد في الروايات، وفي بعضها سئل عن الإمام
ما حاصله: انه هل يكون الفاعل هو اللّه، فقال عليه السّلام ما مضمونه: هو
أعدل من ذلك، فقال: فالعبد هو الفاعل، فقال عليه السّلام: هو أعجز من ذلك.
و منشأ ما ذهب إليه الفلاسفة انما هو ذهابهم إلى احتياج كل فعل إلى علّة
تامّة يستحيل تخلّفها عن المعلول، وقد ذكرنا انه لا دليل عليه، وانما الفعل
يحتاج إلى الفاعل ليس إلاّ، وبهذا ظهر ما في الكفاية من الخلل، وذكرنا من
مواردها موردين: الأول: تقسيمه الإرادة إلى التكوينيّة والتشريعيّة، فانّ
ذلك على مسلكهم من انّ الإرادة من الصفات تام، حيث لا معنى لها في البارئ
إلاّ العلم، فعلمه تعالى تارة: يتعلّق بما له دخل في النظام الأتم فيعبّر
عنه بالإرادة التكوينيّة، وأخرى: بما له دخل في مصلحة شخص خاص ويسمى
بالإرادة التشريعيّة، ولكن على ما اخترناه من انّ الإرادة هي من افعال
النّفس، فالإرادة دائما تكون تكوينيّة، والفرق يكون في متعلّقها.