دراسات في علم الاصول - الهاشمي الشاهرودي، السيد علي - الصفحة ٢٨٥ - المقدمة المفوّتة
و
الصحيح منها هو الأول، لأنّ تكليف العاجز لغو، وبقاء العقاب حينئذ امر
وجداني يستفاد من بناء العقلاء وعملهم في أمورهم العادية، فانّ من رمى ابن
المولى وان كان بعد الرمي عاجزا عن عدم قتل ابن المولى فلا يصح تكليفه به
إلاّ انّ استحقاق العقاب لا يسقط عنه عقلا، وليس له ان يعتذر عند المولى
بأني بعد الرمي كنت عاجزا، وكان ترك القتل ممتنعا بالقياس إليّ.
إذا عرفت هذا فنقول: ذكر المحقق النائيني[١]انّ
ما نحن فيه يتصوّر على صور: الأولى: ان تكون القدرة على العمل في ظرفه
دخيلة في اتصافه بالملاك والمصلحة، ويعبر عنها بالقدرة الشرعية بحيث يكون
الملاك الملزم التام ثابتا في ظرفه، كان العبد قادرا على الإتيان بالعمل
حينئذ أم لم يكن بان يكون عدم امر المولى به لمانع منه، ويعبر عن هذه
القدرة بالقدرة العقلية، فالعقل في ذلك يلزم بتحصيل مقدماته قبل وصول ظرف
العمل، لأنّ تركه مستلزم لتفويت الملاك الملزم التام في ظرفه اختيارا، وهو
قبيح على حد قبح المعصية، لأنّ الملاك هو روح التكليف، فيستقل العقل
باستحقاق العقاب على ذلك، ويشهد لذلك الرجوع إلى ما عليه بناء العقلاء في
أمورهم وسياساتهم كما عرفت.
و ما أفاده قدّس سرّه من استقلال الفعل بذلك متين جدا، إلاّ انه ذهب إلى
استتباع هذا الحكم العقلي لثبوت وجوب شرعي في مورده قد عبر عنه بمتمم
الجعل[٢]، ونحن نعبر عنه
بالوجوب بالغير، بدعوى انه إذا استقل العقل بحسن شيء أو قبحه فبما انّ
الشارع رئيس العقلاء فلا بدّ ان يحكم به أيضا، وليس حكمه بالحسن إلاّ
إلزامه بالفعل، كما ان حكمه بقبح شيء ليس إلاّ إلزامه بالترك.
[١]أجود التقريرات-المجلد الأول-ص ١٥٠.
[٢]راجع أجود التقريرات-المجلد الأول-ص ١٥٦.