المطالع البدريّة في المنازل الروميّة - بدر الدين محمّد العامري الغزّي الدمشقي - الصفحة ٣٠٣ - حلب
هناك أيام التشريق ، وليالي البيض) [١] ذات الوجه الشريق ، وكنّا قد بعنا بعض الخيل والبغال ، واستخرنا الله تعالى في السفر مع الجمال ، وكان قد تهيأ في تلك الأيام قفل كبير إلى بلاد الشّام ، فرددت الاستخارة ، وجددت الاستشارة في السفر معه في المحارة [٢] ، فجاء أكابر القفل إلينا وقالوا : أنت المؤمّر علينا وألقوا إلينا مقاليد الأمور ، وقالوا : مر متى شئت بالمرور ، فكلّ منّا بطاعتك مأمور ، فوقع الاتفاق مع تلك الرفاق ، أن يكون يوم الأحد منتصف الشهر التبريز إلى الوطاق ، وكنت قد سئمت من النوى [٣] والشتات ، وأزعجني خبر [٤] الجنّة تحت أقدام الأمهات ، وهمت بالوطن هيام ابن طالب بالحوض والعطن ، وحننت إلى تلك البقاع حنينه إلى أثلاث القاع وأخذت في الإزماع ، وفاجأت الأصحاب بالوداع ، وعزمت عزما أذن للدموع [١٧٠ أ] بالانسكاب وللقلوب بالانصداع : [من الطويل]
| ويوم وقفنا للوداع وكلّنا | يعدّ مطيع الشوق من كان أجزما | |
| نصرت بقلب لا يعنف في الهوى | وعين متى استطمرتها أمطرت دما [٥] |
فياله وداعا ذابت له الأجساد ، والتهبت به الأكباد ، وكاد يتصدع منه الفؤاد ، ثم أنشدت أولئك المودّعين ما قاله بعض المتأدّبين [٦] : [من الوافر]
| أودّعكم وأودعكم لقلبي | وعون الله حسبكم وحسبي |
[١] ما بين القوسين كتب في (م) على الهامش فذهب أغلبه ، وفي (ع) ترك بياضا.
[٢] وردت في (ع): «التجارة». والمحارة : شبه الهودج (القاموس المحيط ٤٨٧).
[٣] وردت في (ع): «الهوى».
[٤] سقطت هذه الكلمة من (م) و (ع).
[٥] البيتان في معاهد التنصيص ١ : ٢٤٧ منسوبة للشريف الرضي.
[٦] البيت الأول قاله الشاعر جمال الدين ابن نباتة ، وردّ عليه في البيت الثاني الرحالة خالد بن عيسى البلوي ، عند اجتماعهما في بيت المقدس سنة ٧٣٧ ه. (انظر : تاج المفرق ١ : ٢٧٤).