المطالع البدريّة في المنازل الروميّة - بدر الدين محمّد العامري الغزّي الدمشقي - الصفحة ٢٩٥ - أركلي
الجسور ، فزلّت إحدى رجليه أو يديه ، فسقط في النهر هو ومن عليه ، فكان ذلك من أنكأ القرح ، ومن الكي أثر الجرح ، ولم يسعنا غير الصبر والاحتساب ، والتبدّل بجيمع [١] الأثواب ، ثم نزلنا تلك الليلة ببعض قراها [١٦٣ ب] واستعملنا ما كنّا استصحبنا من قراها ، ثم أصلحنا الأحوال ، وعزمنا على الترحال ، عندما غاص نهر المجرّة [٢] ، وهتمت أسنان الكواكب المفترّة ، وضحك وجه الشرق بعد التعبيس ، فأسفر عن ثالث عشرين الشهر يوم الخميس ، وسرنا مجتهدين وأسرعنا مجدّين إلى أن نزلنا بقرية تعرف بشجاع الدّين ، ثم رحلنا منه وقت الإظهار ، وانتصاف ذلك النهار ، ولم نزل نقطع أديم الفلا ونفري ، حتى أنخنا بالقرب من آق كبري ، والعشية تخور بدمانها ، وذكاء تتسخط بدمائها ، فبتنا بذلك المكان بالقرب من النهر ليلة الجمعة رابع عشرين الشهر إلى أن أنشد لسان الحال قول من قال : [من الخفيف]
| لم نر الليل حيث رقّ دجاه | وبدا طيلسانه ينجاب | |
| وكأنّ الصباح في الأفق باز | والدجى بين مخلبيه غراب | |
| وكأن السماء لجة بحر | وكأن النجوم فيها حباب [٣] [١٦٤ أ] |
وقد تشوقت الأبصار لسفور الأسفار ، فحين أسفر النهار واستراحت أعين النظّار من ألم الانتظار ، أخذنا [٤] في المسير بعد التحميل ، وجمعنا بين طرفي البكر والأصيل ، وغالب سيرنا ذلك النهار في مروج وأنهار ، وعيون جارية ، وأشجار سامية ، وجبال عالية ، إلى أن وضعنا الرحال ليلة السبت بمرج أفيح حسن النبت ، بالقرب من
[١] وردت في (ع): «بمنع».
[٢] بياض في (ع).
[٣] الأبيات لتميم بن المعزّ ، انظر : الديوان ٩٦.
[٤] في الأصل و (م): «ثم أخذنا».