المطالع البدريّة في المنازل الروميّة - بدر الدين محمّد العامري الغزّي الدمشقي - الصفحة ١١٨ - أسكودار
وبسطا ، وأجبناه بصلاتها من غير توان ولا إبطاء ، وأسكودار [١] بلدة لطيفة حسنة ظريفة فسيحة الأرجاء [٢] ، صحيحة الهواء ، ضوؤها صيقل ، ومجتلاها جميل ، ونسيمها أرج النشر [٣] عليل ، يمتد أمامها بسيط أنضر ، وبساط أخضر ، قد أجرى الله فيه مذانب الماء تسقيه وتحتف بها بساتين ملتفّة الأشجار يانعة الثمار ، والبحر الأعظم القسطنطينيّ ينساب بين يديها ، وينعطف عليها ، ويحنو إليها ، ويعنو خاضعا لديها ، وبها مساجد وضيّة ، وعمارات فضيّة ، وأسواق حسنة ، وخانات مستحسنة ، ومنها يركب في المعدّية [٤] إلى المدينة العظمى القسطنطينيّة ، فعدّى الحمزاويّ بالخزانة ومن معه من القوم بعد العصر من ذلك اليوم ، واستخرت الله تعالى في الإقامة بها بقية اليوم ، وهو يوم الأحد ثم من تلك الليلة إلى الغد ، [٥٩ أ] فنزلت بمن معي بعمارة هناك على الساحل ، وأرحنا الأبدان والرواحل ، فتلقّانا خادمها بالتأهيل والترحيب ، وأنزلنا في مكان بها متسع رحيب ، فلمّا أسفر وجه الصباح وحيعل [٥] داعي الفلاح واستنار وجه المحجة بعد ما كان بسواد الليل منتقبا ، وابتهجت الأنفس بقدوم فجر كان مرتقبا ، وتخلّق الكون بردع الشمس ، وحمد ظهورها في ذلك اليوم كما حمد [٦] بالأمس ، ورد علينا مشرف شريف ، وكتاب عال منيف ، من مولانا وسيدنا المقر الكريم الإمام العلّامة شيخ المسلمين السيّد عبد الرحيم [٧] ، مضمونة الاعتذار عن عدم تلقيه بحمى شديدة بنافض تعتريه ، وأنه هيّأ لنا منزلا ، ولكن ننزل في عمارة
[١] أسكدار : مدينة كبيرة على بحر مرمرة ، وهي أحد أقسام (أحياء) مدينة القسطنطينيّة ، وكانت مركزا هاما من مراكز التصوف في الدولة العثمانية. مرّ بها الرحالة المشهور بكبريت وكذلك الرحالة الخياري ، انظر : رحلة الشتاء والصيف ١٨٧ ، رحلة الخياري ١ : ٢٣٩ ، المنح الرحمانية ١٥٥.
[٢] وردت في (ع): «الأرجاه» ، ولعل الناسخ نقل الفاصلة هاء.
[٣] وردت في (ع): «النسيم».
[٤] من الوسائل المستعملة في عبور الممرات المائية من قوارب وصنادل.
[٥] الحيعلة هي قول : حيّ على الفلاح في الأذان.
[٦] وردت في (ع): «كما حمدنا».
[٧] هو السيد عبد الرحيم العباسي (ت ٩٦٣ ه) ، تقدم التعريف به في مطلع الرحلة.