فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٨ - ١٤ - الإنسان و الله
تظهر فيه الذات الإلهية متعينة بجميع صفاتها. و هذا هو المعنى الجديد الذي أعطاه ابن عربي لقولهم: «خلق اللَّه آدم على صورته».
و الإنسان الكامل من الحق بمثابة إنسان العين من العين. فكما أن إنسان العين هو ما به تبصر العين، كذلك الإنسان هو المجلي الذي يبصر الحق به نفسه- إذ هو مرآته- و هو العقل الذي يدرك به كمال صفاته، أو هو الوجود الذي ينكشف به سر الحق إليه. و هو علة الخلق و الغاية القصوى من الوجود، لأنه بوجوده تحققت الإرادة الإلهية بإيجاد مخلوق يعرف اللَّه حق معرفته و يظهر كمالاته.
و لو لا الإنسان لما تحققت هذه الإرادة و لما عرف الحق. و هو الحافظ للعالم و المبقي على نظامه. (الفص الآدمي). بل هو الذي يعنيه عند ما يبالغ في تكريم الإنسان و تعظيم قدره، لأن النشأة الانسانية بكمالها الروحي و النفسي و الجسمي صورة اللَّه التي لا ينبغي أن يتولى حل نظامها سواه، و لأن في حلها حلًا لنظام الكون و ضياعاً للغاية المقصودة من وجوده. (الفص اليونسي).
هذا، و ليست نظرية ابن عربي في الإنسان الكامل و ما تفرع عنها من بحوث فلسفية دقيقة، إلا جزءاً من نظرية أخرى له أوسع و أشمل، و هي نظريته في الكلمة الإلهية[١]، فإنه عالج في هذه النظرية ثلاث مسائل هامة تحوم كلها حول موضوع واحد يسميه في كل حالة باسم خاص. المسألة الأولى «الكلمة» من الناحية الميتافيزيقية، و هذه يسميها حقيقة الحقائق، و هي مرادفة للعقل الإلهي أو العلم الإلهي.
و لما كان الحق لا يعقل شيئاً مغايراً لذاته، و عقله ذاته عقل لجميع الأشياء، كانت
[١] راجع مقالي في نظريات الإسلاميين في« الكلمة». مجلة كلية الآداب جامعة فؤاد الأول:
المجلد الثاني: العدد الأول ص ٣٣- ٧٥.