فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣١ - ١٢ - التنزيه و التشبيه
و الباطن عن نفسه، و هو المسمى بأسماء جميع المحدثات» (الفص الإدريسي).
فالأمر حيرة في حيرة، واحد في كثرة، و كثرة مردها إلى واحد، و أضداد تجتمع في حقيقة واحدة، و حقيقة واحدة لا تُعْرف إلا بقبولها الأضداد! و لكن هذه حيرة الجهال. أما الواقفون على سر الحقيقة، العارفون بوحدة الوجود فلهم حيرة أخرى، هي حيرة الذين يرون الحق في كل مجلى و يقرون به في كل صورة، فحيرتهم إنما هي في تنقلهم الدائم مع الحق في الصور.
١٢- التنزيه و التشبيه
اقتضى هذا الموقف من ابن عربي أن ينظر إلى العين الوجودية الواحدة من وجهين و أن يصفها بصفتين، سمى الأولى تنزيهاً و الأخرى تشبيهاً و لو أنه يغلب جانب التنزيه على جانب التشبيه أحياناً و يعكس الأمر أحياناً أخرى حسب مقتضيات أحواله. ففي موضع يبالغ في التشبيه إلى حد يكاد يصطبغ معه مذهبه بصبغة مادية، كقوله و هو (أي الحق) هو المسمى بأسماء جميع المحدثات، و كقوله في مناقشة نظرية الأشاعرة في الجوهر و الأعراض إن الحق ليس إلا ذلك الجوهر الذي تكلموا عنه، و إن تجليات الحق في مظاهر الوجود ليست سوى أعراض ذلك الجوهر و أحواله (الفص اللقماني). و في موضع آخر يبالغ في التنزيه إلى حد ترتفع معه كل مناسبة بين الحق و الخلق كأن يقول: «إذ لا يصح أن يعرف من علم التوحيد إلا نفي ما يوجد في سواه سبحانه، و لهذا قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ»، و «سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ» فالعلم بالسلب هو العلم باللَّه تعالى [١]. و لكن صفتي
[١] الفتوحات- ج ١ ص ١٢٠ س ١٠.