فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٦ - ١٧ - فص حكمة وجودية في كلمة داودية«١»
الحمد أو الذم على حسب ما يكون «٧». و لما كان الأمر في نفسه على ما قررناه، لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها. فعبر عن هذا المقام بأن الرحمة وسعت كل شي ء، و أنها سبقت الغضب الإلهي. و السابق متقدم، فإذا لحقه هذا الذي حكم عليه المتأخر حكم عليه المتقدم فنالته الرحمة إذ لم يكن غيرها[١] سبق. فهذا معنى سبقت رحمته غضبه، لتحكم على ما وصل إليها فإنها في الغاية وقفت و الكل سالك إلى الغاية. فلا بد من الوصول إليها، فلا بد من الوصول إلى الرحمة و مفارقة الغضب، فيكون الحكم لها في كل واصل إليها بحسب ما تعطيه حال الواصل إليها «٨».
|
فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلناه «٩» |
و إن لم يكن فهم فيأخذه عنا |
|
|
فما ثم إلا ما ذكرناه فاعتمد |
عليه و كن بالحال فيه كما كنا |
|
|
فمنه إلينا ما تلونا عليكم |
و منا إليكم ما وهبناكم منا |
|
و أما تليين الحديد فقلوب قاسية يلينها الزجر و الوعيد تليينَ النار الحديد. و إنما الصعب قلوب أشد قساوة من الحجارة، فإن الحجارة تكسرها و تكلسها النار و لا تلينها. و ما ألَانَ [٢] له الحديد إلا لعمل الدروع الواقية تنبيهاً من اللَّه: أي لا يُتّقى الشي ء إلا بنفسه، لأن الدرع يُتّقى بها السنان و السيف و السكين و النصل، فاتّقَيْت الحديد بالحديد. فجاء الشرع المحمدي بأعوذ بك منك، فافهم، فهذا روح تليين الحديد «١٠» فهو المنتقم الرحيم و اللَّه الموفق.
[١] ا: غير ما
[٢] ن: لان.