فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٦٨ - ١٨«١» - فص حكمة نفسية في كلمة يونسية
قصاصاً؟ أ لا تراه عليه السلام يقول في صاحب النِّسعة[١] الفعل مع كونه مشروعاً. «فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ» لأنه على صورته. فمن عفا عنه و لم يقتله فأجره على من هو على صورته لأنه أحق به إذ أنشأه له، و ما ظهر بالاسم الظاهر إلا بوجوده فمن راعاه إنما يراعي الحق. و ما يُذَمُّ الإنسان لعينه و إنما يذم الفعل منه، و فعله ليس عينه، و كلامُنَا في عينه.
و لا فعل إلا اللَّه، و مع هذا ذُمَّ منها ما ذم و حُمِدَ منها ما حمد. و لسان الذم على جهة الغرض مذموم عند اللَّه. فلا مذموم إلا ما ذمه الشرع، فإنَ [٢] النواميس الإلهية و الحِكمية.
و إذا علمت أن اللَّه راعى هذه النشأة و إقامتها فأنت أولى بمراعاتها إذْ لَكَ بذلك السعادة، فإنه ما دام الإنسان حياً، يرجى له تحصيل صفة الكمال الذي خلق له. و من سعى في هدمه فقد سعى في منع وصوله لما خلق له. و ما أحسن ما قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم «أ لَا أنبئكم بما هو خير لكم و أفضل من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم و يضربون رقابكم؟ ذكر اللَّه» «٢». و ذلك أنه لا يعلم قدر هذه النشأة الإنسانية إلا من ذكر اللَّه الذكر المطلوب منه، فإنه تعالى جليس من ذكره، و الجليس مشهود للذاكر. و متى لم يشاهد الذاكر[٣] الحقَّ الذي هو جليسه
[١]« ا» و« ن»: التسعة بالتاء- و هي بالنون. و التسعة بالكسر سير ينسج عريضاً على هيئة أعنة النعال تشد به الرحال( القاموس المحيط). و القصة أن النسعة كانت لرجل وجد مقتولًا فرأى وليه نسعته في يد رجل فأخذه بدم صاحبه فلما قصد قتله قال رسول اللَّه: إن قتله كان مثله أي في الظلم
[٢] ساقط في ن
[٣] ن: هذا الذاكر.