في رحاب أهل البيت: صيانة القرآن الكريم من التحريف - جمعى از نويسندگان - الصفحة ٨٧ - أدلة الاتجاه الثالث القائل بالتنزيه و استحالة الرؤية
عند الله باستحالة ذلك، و هو قوله: (لَنْ تَرانِي) ليتيقنوا و ينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ).
فإن قلت: فهلا قال: أرهم ينظروا إليك؟
قلت: لأنّ الله سبحانه إنّما كلّم موسى (عليه السلام) و هم يسمعون، فلما سمعوا كلام ربّ العزّة أرادوا أن يرى موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادة مبنية على قياس فاسد. فلذلك قال موسى: (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)، و لأنه إذا زجر عمّا طلب، و أنكر عليه في نبوّته و اختصاصه و زلفته عند الله تعالى، و قيل له: لن يكون ذلك: كان غيره أولى بالإنكار، و لأنّ الرسول إمام امّته، فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب راجعاً إليهم. و قوله: (أَنْظُرْ إِلَيْكَ) و ما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه و التجسيم، دليل على أنه ترجمة عن مقترحهم و حكاية لقولهم، وجل صاحب الجمل أن يجعل الله منظوراً إليه، مقابلًا بحاسّة النظر، فكيف بمن هو أعرق في معرفه الله تعالى من واصل بن عطاء، و عمر بن عبيد، و النظام، و أبي الهذيل و الشيخين، و جميع المتكلمين؟
فإن قلت: ما معنى (لن)؟
قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» و ذلك أن «لا» تنفي المستقبل. تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً. و المعنى: أنّ فعله ينافي حالي، كقوله: (لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَ لَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) فقوله: (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ) نفي للرؤية فيما يستقبل. و لن تراني تأكيد و بيان، لأن المنفي مناف لصفاته.
فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: (وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ) بما قبله؟
قلت: اتصل به على معنى أن النظر إليَّ محال فلا تطلبه و لكن عليك بنظر آخر: و هو أن تنظر الى الجبل الذي يرجف بك و بمن طلبت الرؤية لأجلهم، كيف أفعل به و كيف أجعله دكاً بسبب طلبك الرؤية؟ لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه عزّ و علا حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: (وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) (فإن استقر مكانه) كما كان مستقراً ثابتاً ذاهباً في جهاته (فَسَوْفَ تَرانِي) تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكاً و يسويه بالأرض، و هذا كلام مدمج بعضه في بعض، وارد على اسلوب عجيب و نمط بديع. أ لا ترى كيف تخلص من النظر الى النظر بكلمة الاستدراك؟