تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨
أي مختلف الأنواع كالحنطة والشعير والزر والذرة، ذات الأشكال المختلفة و الألوان الظاهرية المتعددة، فمنها الأخضر الغامق، والأخضر الفاتح، وبعضها ذو أوراق عريضة وكبيرة، والبعض الآخر ذو أوراق دقيقة وصغيرة.
وممّا يذكر أن كلمة (زرع) تطلق على النباتات ذات الساق الدقيق، فيما تطلق كلمة (شجر)على الأشجار ذات السيقان القوية، وكلمة (زرع) ذات معان كثيرة تشمل النباتات الطبيعية التي لا يمكن الإستفادة منها للغذاء، وأنواع الورد ونباتات الزينة والأعشاب الطبية التي يؤخذ منها الدواء، وأحياناً نرى في غصن واحد، ولربّما فيوردة واحدة عدّة ألوان جميلة جذابة، تسبح وتوحد الباريء عزّوجلّ بلسان صامت.
ثمّ تنتقل الآية إلى مرحلة اُخرى من مراحل حياة هذه النباتات، إذ تقول: (
ثم يهيج فتراه مصفراً
)[١] حيث تعصف به الرياح من كلّ جانب لتقلعه من مكانه بسبب ضعف سيقانه ويضيف تعالى: (ثم يجعله حطاماً
).نعم، إن في هذا لذكرى لأصحاب العقول وأهل العلم (
إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب
).هذا المشهد يذكّر الإنسان بالنظام الدقيق والعظيم الذي وضعه الباريء عزّوجلّ لعالم الوجود، وإنّه تذكير بنهاية الحياة وانطفاء شعلتها، ومن ثمّ بمسألة البعث و عودة الأموات إلى الحياة. فرغم أنّ هذا المشهد يتعلّق بعالم النبات، إلاّ أنّه ينبّه الإنسان إلى أن مثل هذا الأمر سوف يتكرر في حياته وعمره هو أيضاً مع وجود بعض الإختلاف في مدّة الأعمار، ولكن الأساس واحد إذ يبدأ بالولادة يتدرج إلى النشاط و الشباب، ومن ثمّ الذبول والكهولة، وفي النهاية الموت.
و كتتمة لهذا الدرس الكبير في التوحيد والمعاد، تنتقل الآيات إلى المقارنة
[١] ـ «يهيج» من مادة (هيجان) و لها معنيان في اللغة، الأوّل هو جاف النبات و اصفراره، و الثّاني هو التحرك و الإنتفاض، و من الممكن أو يعود المعنيان إلى أصل واحد، لأنّ النبات حينما يجفّ فإنه يستعد للانفصال و الأنتشار و التحرك و الهيجان.