تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٩
الأسلوب حيال دعوة موسى(عليه السلام)، إذ تركتم البحث في أدلة نبوته وعلائم بعثته ورسالته، فابتعدت عنكم أنوار الهداية، وظلت قلوبكم سوداء محجوبة عن إشعاعاتها الهادية الوضّاءة.
الآية الكريمة التي تليها تعرّف «المسرف المرتاب» بقول الله تبارك وتعالى: (
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم
)[١].هؤلاء يرفضون آيات الله البينات من دون أي دليل واضح من عقل أو نقل، بل يستجيبون في ذلك إلى أهوائهم المغرضة ووساوسهم المضلّة الواهية، كي يستمروا في رفع راية الجدل والمعارضة.
وللكشف عن قبح هذه المواقف عند الله وعند الذين آمنوا، تقول الآية: (
كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا
)[٢].ذلك لأنّ الجدال بالباطل (الجدال السلبي) واتخاذ المواقف ضدّ الوقائع والآيات القائمة على أساس الدليل المنطقي، يعتبر أساساً لضلال المجادلين وتنكبهم عن جادة الهداية والصواب، وكذلك في اغواء للآخرين، حيث تنطفيء أنوار الهداية في تلك الأوساط، وتتقوى أسس ودعائم حاكمية الباطل.
في النهاية، وبسبب عدم تسليم هؤلاء أمام الحق، تقرّر الآية قوله تعالى:(
كذلك يطبع الله على كلّ قلب متكبر جبّار
)[٣].أجل، إنّ العناد في مقابل الحق يشكّل ستاراً مظلماً حول فكر الإنسان، ويسلب منه قابليته على التشخيص الهادي الصحيح، بحيث ينتهي الأمر إلى أن
[١] ـ (الذين) هنا بدل عن «مسرف مرتاب» إلاّ أنّ المبدل عنه مفرد، في حين أنّ البدل جاء على صيغة الجمع! السبب في ذلك أنّ الخطاب لا يستهدف شخصاً معيناً وإنّما يشتمل على النوع.
[٢] ـ فاعل «كبر» هو (الجدال) حيث نستفيد ذلك من الجملة السابقة، أمّا «مقتاً» فهي تمييز، فيما يرى بعض المفسّرين أنّ الفاعل هو «مسرف مرتاب» إلاّ أنّ الرأي الأوّل أفضل.
[٣] ـ «متكبر جبار» وصف للقلب، وليست وصفاً لشخص، بالرغم من أنّها مضافة. اشارة الى أنّ أساس التكبر والتجبر انما ينبع من القلب، ولأنّ القلب يسيطر على كلّ أعضاء ووجود الإنسان، فإنّ كلّ الوجود الإنساني سيكتسي هذا الطابع الفاسد البذيء.