تفسير الأمثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٤
المتكبرين الجهلة إزاء المؤمنين الواعين، حيث يقول: (
وما يستوي الأعملى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء
)[١].إلاّ أنكم بسبب جهلكم وتكبركم: (
قليلا ما تتذكرون
)[٢].إنّ المبصرين يرون صغر أنفسهم إزاء عظمة العالم المحيط بهم، وبذلك فهم يعرفون قدر أنفسهم و معرفتهم وموقعهم، إلاّ أنّ الأعمى لا يدرك موقعه أو حجمه في الزمان والمكان وفي عموم الوجود المحيط به. لذلك فهو يخطىء دائماً في تقييم أبعاد وجوده، ويصاب بالكبر و الغرور والوهم الذي يدفعه إلى ما هو قبيح وسىّء.
ونستفيد أيضاً من خلال ارتباط الجملتين ببعضهما البعض أنّ الإيمان والعمل الصالح ينوّر بصائر القلب والفكر بنور المعرفة والتواضع والإستقرار، بعكس الكفر والعمل الطالح الذي يجعل الإنسان أعمى فاقداً لبصيرته، مشوّهاً في رؤيته للأشياء والمقاييس.
الآية الأخيرة في المجموعة القرآنية التي بين أيدينا تتعرض إلى وقوع القيامة و قيام الساعة حيث يقول تعالى: (
إنّ الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون
)«إن» و «اللام» في (لاتية) و جملة (لا ريب فيها) كلها للتأكيد المكرّر الذي يستهدف تأكيد المضمون والمعنى المراد، وهو قيام القيامة.
لقد عالجت الرؤية القرآنية قضية القيامة في أكثر من مكان ومورد، بمختلف الأدلة ووسائل الإقناع، ذلك نرى بعض الآيات تذكر قيام الساعة والقيامة بدون مقدمات أو دليل، مكتفية بما ورد من أدلة ومقدمات في أماكن اُخرى من الكتاب
[١] ـ النظرة الأولية في الآية قد لا توجب معنى لـ «لا النافية» في قوله تعالى: (ولا المسيء) ولكن تأكيد النفي من ناحية، وتجلية المقصود من الجملة من ناحية ثانية، أوجب تكرار النفي، مضافاً إلى أن طول الجملة قد يؤدي إلى نسيان الإنسان للنفي الأول، الأمر الذي يوجب التكرار.
[٢] ـ «ما» في قوله تعالى: (قليلا ما تتذكرون) زائدة، وهي للتأكيد.