مسلم بن عقيل عليه السلام - البغدادي، محمد - الصفحة ٢١ - عقيل بن أبي طالب
المتعالية في أحوج ما يكون إلى ما بذل، لكن هذه شيمة النفوس الكبيرة التي تنزع إلى المكارم كما يسعى الآخرون إلى شهواتهم ونداء غرائزهم، وإلى الاستحواذ على كلّ شيء واحتكاره.
النبيّ والوصيّ ــ مثلاً ــ كانت الدنيا تحت إمرتهما بما تيسّر لهما أموال خديجة، وبما بذل من بذل وبما نتج من غنائم، وما كان بأيديهما قليلٌ ولا كثير، بل كانوا يقضون اليوم واليومين والثلاثة بلا غذاء، حتّى أصبح هذا شأناً معتاداً لهم، ويا للحسرة، يغدو النبيّ والوصيّ وحالهما ــ وعيالهما ــ هذا، وتنام الأمّة رغدة لا تفيدهما بما تحت أيديهما، ولا تتفقّد شأنهما، والقرآن ينادي بحالهم، ولا عجب من أمّة انتهت سريعاً إلى منحدر مهول، كان ينبئ عنها أوّلها.
ويحدّث التأريخ: أنّ عقيلاً ــ وهو في أوج فقره، وشدّة وطأة الحاجة والعوز ــ كان ينال عطايا من معاوية ويحضر مجلسه في بعض الأحيان وما داهنه يوماً ولا مدحه بل كان يُسمعه القارص من الكلام ويفضحه ويُكيل له الاهانات[٣٠] فما التفت إلى خوف انقطاع رزقه ولا عطّله هذا عن انتهاز الفرص لأداء واجب يَعْسُرُ فِعْلُه على غيره وفي أنسب من هذا المكان والحال.
كان عقيل بصيراً ــ فاقداً للبصر ــ ولعلّ هذا عطّله عن أمور الحياة وعن الحضور في وقائع كثيرة سياسيّة وجهاديّة كانت تقتضي مثله.
لكن ذرّيته ــ أولاده وأحفاده ــ سجّلوا المآثر الخالدة وبَنوا لِعَقيلٍ وآل
[٣٠] راجع: بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج٤٢، ص١١٢؛ فقد نقل في هذا نصوصاً عن ابن أبي الحديد؛ راجع: الشهيد مسلم بن عقيل للسيد المقرم: ص٤١، وما بعدها.