مسلم بن عقيل عليه السلام - البغدادي، محمد - الصفحة ٥٣ - مجتمع الكوفة
ولنسترسل في بيان ما قدّمنا ذكره في أوّل الفصل من وجه اشتهارهم بالغدر ونقض العهود.
من المعلوم أنّ هذه الخصلة كانت فيهم قبل احتلال معاوية للكوفة ــ بعد صلح الإمام الحسن عليه السلام ــ وكانت مصاديقها بارزة للعيان أيّام تواجد الإمام الوصيّ بينهم، إلاّ أنّ هذه الخصلة قويت فيهم وبلغت أوج تجذّرها في نفوسهم، وظهورها عنهم بعد حكم معاوية لهم:
١ ــ إنّ الكوفة مدينة أسّست لتجمّع المقاتلين ولرفد جبهات القتال الشرقية بهم، ومن البيّن أنّ من ينصرف لهذه المهمّة فإنّ هدفه إمّا القيام بالتكاليف الإلهية، وفعل ما به القُرب من الله سبحانه وهم الأقلّ في الأمّة، وفي أهل الكوفة بالخصوص كما كشف عن هذا تقلّبات الأحداث والأحوال، وإمّا يهدف من عمله هذا الاسترزاق وبقية الجوانب الدنيوية، وهم الأكثر في أهل الكوفة.
وطبيعي، أنّ من يتوجّه لممارسة القتال، وفيه احتمالية هلاك النفس والأضرار العظيمة بالجسم، من أجل الاسترزاق وتحصيل المال، لا يعوّل عليه في المواقف التي تتطلّب تديّناً وتورّعاً بمرتبةٍ عالية، وتتطلّب منه إعراضاً عن الدنيا ومتعها وملذّاتها، من أجل نصرة الحقّ وتحكيمه في الأرض، وترسيخ قواعده، خصوصاً إذا صاحَبَ هذا الحقّ المنصور حرمانٌ من المال والراحة والملذّات والمِتَع العاجلة.
مثل هذه الشريحة من الناس لا تلتفت ــ كلّ الالتفات ــ إلى المُثل العليا، وإلى التكاليف التي تشغلها عن أهدافها، وإلى السير تحت لواء رائد الحقّ والعدالة