نصرة المظلوم - المظفر، حسن بن عبد المهدي - الصفحة ٧١ - موكب القامات
ولا لازماً عادياً للضرب نفسه، فإن قواعد الفن لا تقتضي تحريمه البتّة[٧٤]، ومجرد الإيلام وإخراج مقدار من الدم - لا يضر بالصحة - لا دليل على حرمته[٧٥].
قوله: (ولو قطعنا النظر عن هذه الجهة (وهي نزف الدم) فهو فعل همجي وحشي: مثل الضرب بالسلاسل من الحديد).
أقول: إذا قطع النظر عن تلك الجهة التي هي علة التحريم، فكونه فعلاً همجياً لا يفي بالحكم المقصود - لو يعلم، إلا أن يدلّ البرهان على أن كل عبث وفعل لا ترتكبه العقلاء لهمجيته هو محرم[٧٦]، وأنّى لأحد بإثباته، على أن عدّه فعلاً همجيّاً وحشيّاً إنما هو بنظر من لم يعرف حكمته، ولم يطّلع على المقصود منه، وإلا فضرب الصدور بالأيدي في الدور والبيوت يعدّه غير العارف برموزه وأسراره ضرباً من التوحش والهمجية، مع أنه عند الجميع من الأمور المستحسنة المرضيّة.
أقول: وأنا استسلف العذر عن حزازة القدح اللساني الظاهري فقط بأعظم شعائر الله وحرماته (الحج).. .
ليس الحج إلا طواف حول بيته، وسعي وهرولة بين رابيتين، ووقوف على جبل، وهبوط في وادٍ، ورمي أحجار على أحجار، في هيئة مقرحة، من كشف الرؤوس لحر الشمس، وتوفير الشعر، وعري البدن إلا عن نحو إزار ورداء.
[٧٤] لأصالة الإباحة، من دون حاجة للدليل على حليّته، بل مقتضى الفن هو أن القول بالحرمة يحتاج إلى دليل، فمطالبة المستشكل بالدليل على الجواز عجيبة، والأعجب نفي السيرة عنها.
[٧٥] إذ لا دليل على حرمة كل إيلام، فمن الإيلام ما يكون ضرورياً بنظر العقلاء، كالمعالجات الجراحية التي يقوم بها الطبيب.
[٧٦] فدعوى المستشكل في غير محلها، إذ لا أحد يلتزم بأن كل ما لا يفعله العقلاء هو محرّم، وعدّه في نظر العقلاء همجياً لا يسوّغ التحريم، إذ ملاكات الأحكام بيد الشارع لا بيد العرف والعقلاء، والحج خير مثال لما أوردناه، والمؤلف يأخذ الحج مثالاً في دعم دليله، كما سيأتي.