رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

يصدر عنه أيضاً، وباختياره‌[١] ينكشف الصلاح والفساد فيها، فتحصل له الإرادة بما يراه أصلح، وهذه الإرادة مكتسبة له، أمّا أسباب كسبها - وهي القدرة على الفكر والعلوم السابقة - فبعضها أيضاً يحصل بقدرته وإرادته إلخ.
ففيما أفاده (قدّس سرّه) تصريح بكون الإرادة من الأفعال الاختيارية ولملخّص كلامه جهتان، بإحداهما يوافقنا ويخالف الفلاسفة حيث يرى نفس تحقّق الإرادة ومباديها القريبة من الاُمور الاختيارية، وبثانيتهما يخالفنا ويوافق الفلاسفة حيث التزم بسبق وجوب الفعل على وجوده، وقد أبطلنا ذلك بما لا مزيد عليه وذكرنا أنّ الفعل لا يتّصف بالوجوب في جميع المراحل المتقدّمة عليه.
بقيت في المقام شبهتان‌ اُخريان للأشاعرة، استدلّوا بهما على مطلوبهم‌[٢]:
الاُولى: أنّ كلّ ما يصدر عن العبد لا يخلو إمّا أن يكون قد تعلّقت به الإرادة الأزلية أو لا، فعلى الأوّل لابدّ من وقوعه لاستحالة تخلّف الإرادة عن مراده تعالى، وعلى الثاني فلابدّ من عدم وقوعه، لاستحالة وقوع شي‌ء ما لم يرده تعالى.
الثانية: أنّ الأفعال لا تقع وفق المقاصد، فإنّ كثيراً ما يقصد الإنسان الإطاعة والعبادة وغيرهما من الأفعال العادية مع كثرة اشتياقه إليها، ومع ذلك لا يحصل الفعل على وفق مقصوده.
ولمّا كانت الشبهة الاُولى مأخوذة من الفلاسفة القدماء أخّرنا الجواب عنها عندما نتعرّض لأقوال الفلاسفة[٣].
وأمّا الشبهة الثانية - وهي وقوع الأفعال على خلاف مقاصد العباد - فلمّا

[١] في المصدر:... أيضاً باختياره لينكشف....
[٢]وهاتان الشبهتان تعدّان الدليلين الرابع والخامس من الأدلّة العقلية لهم.
[٣]في ص‌٥٥.