رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٠ - في بيان كيفية صدور الأفعال عند المتأخّرين من الفلاسفة

وراءه شي‌ء من الحقيقة، وأنّ الاصطلاح يمحوه الاصطلاح، والحقائق باقية على حالها لم تزل ولا تزال (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ).
في بيان كيفية صدور الأفعال عند المتأخّرين من الفلاسفةولمّا تمّ الكلام في بيانات القدماء من الفلاسفة شرعنا فيما ذهب إليه المتأخّرون منهم، أعني بهم من قارب عصورنا المتأخّرة.
وقد بنى بعضهم‌ هذه المسألة - الجبر والاختيار - على المذهبين المعروفين: مذهب العلّية العامّة ومذهب الغاية، ولمّا كان بيان الابتناء يتوقّف على معرفة حقيقة المذهبين لم نر بُدّاً من تقديم مقدّمة في توضيحهما، فنقول:
إنّ معنى مذهب العلّية العامّة هو اعتبار العالم دائرة مقفلة من الحوادث يتّصل بعضها ببعض اتّصالاً علّياً بحتاً، لا دخل لاختيار الإنسان فيه، وأنّ كلّ ما يحدث من الحوادث قد قدّر أزلاً واُحصي عدداً، كما لو كان نتيجة لعملية حسابية عظمى قام بها عقل محاسب.
وقد ذهب إلى هذا المذهب كثير من المتأخّرين، وقد قام بالبرهنة عليه في كتاب نظام الطبيعة على ما حكاه عنه في المدخل إلى الفلسفة[١].
وممّن أصرّ على هذا المذهب صاحبا كتاب الأخلاق مؤيّدة بالدليل الهندسي وكتاب العالم فإنّهما على ما حكاه عنهما صاحب قصّة الفلسفة الحديثة يقولان - والعبارة لصاحب كتاب العالم -: إنّ اللََّه قد دفع العالم دفعة واحدة منذ البداية كانت نتيجتها كلّ هذه الحركات التي تطرأ على الأجسام المادية كائنة ما كانت‌

[١] المدخل إلى الفلسفة: ٢٢٢- ٢٢٣.