رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

واستمرار وجوده إلى العلّة المبقية، فمع قطع النظر عن إفاضة الوجود من الفيّاض المطلق يكون حاله في البقاء كحاله في الحدوث، من جهة عدم الاقتضاء له في نفسه ولا سيّما بناءً على الحركة الجوهرية التي صارت في يومنا من البديهيّات. وتفصيل الكلام في محلّه وقد تعرّضنا لها نحن أيضاً في «التعليم»[١].
فإذا عرفت المقدّمة يتّضح الفرق الواضح بين الرأيين، حيث إنّ بقاء القدرة والتمكّن من الفعل والترك يحتاج إلى اللََّه المفيض، بحيث لو انقطعت الإفاضة من الفيّاض لم يكن في العبد مقتضٍ للفعل أصلاً، كما كان مفتقراً إليه في حدوثه، هذا.
وأمّا بناءً على رأي المفوّضة فالممكن لا يحتاج في استمرار وجوده - المعبّر عنه ببقائه - إلى العلّة، بل تكفي العلّة الاُولى المحدثة، نعم له قطع الاستمرار والبقاء.
وعليه يكون الفعل حال صدوره أجنبياً عن اللََّه تعالى بالكلّية، فإنّه من جهة إفاضة القدرة عليه وغيرها من المبادي غير الاختيارية مستغنٍ عن المؤثّر بقاءً على الفرض، ومن جهة إعمال القدرة فيه مستند إلى العبد فقط، فهو الفاعل بالاستقلال والمتصرّف في سلطان اللََّه تعالى بغير قضائه وإرادته على هذا الرأي الفاسد، أعاذنا اللََّه منه ومن أمثاله.
ثمّ إنّه بعد ما ظهر لك الفرق بين الأقوال بذكر الأمثلة لها لابدّ لنا من الشروع في ذكر أدلّة كلّ من الأقوال الأربعة، مع بيان ما هو الحقّ منها، ونقدّم البحث عن مذهب الجبرية ونذكر أدلّتهم العقلية والنقلية[٢] مع الجواب عنها.
أمّا الأدلّة العقلية فهي اُمور:
الأوّل: هو أنّه لا شكّ ولا ريب في أنّ المؤثّر الوحيد في الوجود بجميع شؤونه‌

[١] لم نعثر عليه، نعم ذكر المقرّر ذلك في كتاب جبر واختيار: ٢٦٧، ١٥ (باللغة الفارسية).
[٢]وسيأتي البحث عنها في ص‌٨٢.