رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٤ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

الإمكان في حدّ ذاته لا يقتضي الوجود ولا العدم لا حدوثاً ولا بقاءً، فإنّ بقاء الممكن أيضاً ممكن فيحتاج إلى إفاضة من اللََّه تعالى.
إلّا أنّ الكلام لنا في هذا البيان في مقامين:
الأوّل: أنّ دخول الأفعال الصادرة عن العباد - على اختلاف حقائقها وجهاتها من الخيرات والشرور والأفعال العبثية وغيرها ممّا لا يرى العقل بينها ارتباطاً أبداً - في النظام السلسلي لا يمكن تعقّله، وأنّ النظام المدّعى أيّ نظام هو يجمع تلك الشتات من الأفعال ويركّب من خيرها وشرّها وعبثها وسفهها جملة واحدة حقيقية.
ولا يتوهّم أنّا ننكر بذلك النظام الحقيقي في الكائنات ونجعلها فوضى، بل نقول: إنّ ما يدخل تحت النظام هو العلل والمعاليل وغيرهما من الموجودات التكوينية بالجملة، حتّى قدرة العبد على الاختيار على نحو قد أسلفناه غير مرّة وأمّا الأفعال الصادرة من العباد فهي غير داخلة في النظام الجملي، بل هي صادرة باختيارهم، وإن كانت القدرة عليها بمباديها مفاضة من اللََّه سبحانه آناً فآناً.
الثاني: أنّ الأخبار الواردة في المقام على ما ستقف عليه في محلّه إن شاء اللََّه‌[١] الدالّة على كون القول باستقلال العبد في فعله شركاً، إنّما تدلّ على شرك من يرى العبد مفوّضاً إليه جميع شؤونه وأحواله، كما بيّناه فيما مضى‌[٢] عند شرح مذهب المفوّضة والفرق بينه وبين مذهب الأمر بين الأمرين بما لا مزيد عليه، وأمّا على ما اختاره الإمامية من افتقار العبد إليه تعالى في جميع أطواره، ومنها قدرته التي بها يفعل ويترك، فليس هذا شركاً وقولاً بانتهاء السلسلة الجملية إلى مبدأين: قدرة اللََّه‌

[١] راجع ص‌١٠١، ٩٦، وأيضاً التوحيد (للصدوق): ٣٦٣ / ١٢ وغيره.
[٢]في ص‌٣٣.