رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٥ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

وإرادته، وقدرة العبد وإرادته.
وقد سلك الفلاسفة في إثبات انتهاء الأفعال إلى اللََّه سبحانه‌
بياناً ثالثاً: وهو أنّ جميع ما يقع في عالم الكون والفساد قد تعلّقت به الإرادة الأزلية فيجب أن يوجد، وإلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً، وبما أنّ الأفعال الصادرة في الخارج منها فهي أيضاً ممّا تعلّقت به الإرادة الأزلية فلابدّ من وقوعها.
ولا يخفى أنّ هذا البيان كسابقه كاد أن يكون ممّا اتّفقت عليه كلمتهم.
وليعلم أيضاً أنّ الإرادة الأزلية لمّا كانت من الصفات الذاتية عندهم، وهي متّحدة مع الذات، فاسناد جميع الكائنات إليها مساوق لإسنادها إلى نفس الذات والمآل فيهما واحد.
قال سيّد المحقّقين في الإيقاظ الأوّل من الإيقاظات المطبوعة في هامش القبسات: خيرات نظام الوجود وكمالاته الفرائض والنوافل بأسرها، والذوات والصفات والأخلاق والملكات والأفعال والأعمال إنّما انبعاثها بالذات من إرادة اللََّه الحقّة الواجبة، ورحمته الفيّاضة الواسعة، وخيريّته المحضة التامّة، ووهّابيّته الفعّالة الدائمة، وإن كان فيضانه من فيض جوده العظيم بمقدار استعدادات المواد على مبلغ استحقاقات الماهيات. فأمّا الشرور والآلام والنقائص والآثام فمن تلقاء سوء الاستعدادات، ونقص الاستحقاقات، وتزاحمات أرهاط الهيولانيات وتصادمات سكّان عالم الظلمات، لا من بخل من المفيض وضنانة من الجائد، أو عجز في القدرة وقصور في الإفاضة، تعالى جناب الفيّاض الحقّ عن ذلك كلّه علوّاً كبيراً[١].

[١] راجع القبسات: ٧٥ الهامش الأيسر / الإيقاظ الأوّل (الطبعة القديمة)، وذكرها مع زيادة في نفس القبسات: ٤٧٥ (ضمن القبس العاشر - الطبعة الجديدة).