رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٧ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

باطل فالمقدّم مثله كما أشبعنا القول فيه فيما مضى‌[١].
وأمّا الجهة الثانية: فالصحيح فيها أنّ أفعال العباد غير متعلّقة لإرادة اللََّه وجوداً أو عدماً، فإنّ الإرادة - كما عرفت - من الصفات الفعلية، وهي عبارة عن إعمال القدرة في الوجود والعدم، فهي لا تتعلّق إلّابفعل نفس المريد أو تركه لا بفعل شخص آخر الصادر منه باختياره، فكما لا معنى لتعلّق إرادة زيد بفعل عمرو أو بعدمه كذلك لا معنى لتعلّق إرادة اللََّه به مع فرض صدوره منه باختياره.
نعم لا ننكر تعلّق إرادة اللََّه بصدور فعل من أحد أحياناً حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية، إلّاأنّ الفعل حينئذ لابدّ من صدوره في الخارج، ولا معنى لدخل اختياره فيه بوجه، فيصدر الفعل منه في الخارج قهراً عليه، كما نرى من نوم أحد أحياناً أو يقظته من نومه وغير ذلك.
فلو اُطلق لفظ الإرادة واُريد به العلم فلا شكّ في إمكان تعلّقها بالفعل الاختياري من شخص آخر، كما لا شكّ في علمه سبحانه بجميع العوالم من موجوداتها ومعدوماتها من الأفعال وغيرها، إلّاأنّك قد عرفت‌[٢] في جواب شبهة الأشاعرة أنّ تعلّق العلم الأزلي بفعل شي‌ء أو تركه لا ينافي صدوره أو تركه بالاختيار. هذا مع أنّه لا شكّ في صدور الأفعال القبيحة والعبثية في الخارج، وكيف يتفوّه العاقل بتعلّق إرادة اللََّه بها، تعالى اللََّه عن ذلك علوّاً كبيراً.
وأمّا الجهة الثالثة: فقد عرفت‌[٣] أنّ الأفعال الصادرة عن العباد - خيرها وشرّها - إنّما تصدر عنهم بإعمالهم قدرتهم فيها، بإفاضة اللََّه سبحانه مبادئ‌

[١] في ص‌١٤.
[٢]في ص‌٣٦ وما بعدها.
[٣]في ص‌٣٠ وما بعدها.