رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٩ - في الردّ على ما استدلّوا به للكلام النفسي

فنقول: قد حكي عنهم أنّ للكلام - غير ألفاظه ومفاهيمه وغير التصديق بثبوت النسبة في الخارج وعدمه في الأخبار، وإيجاد النسبة من الطلب والتمنّي والترجّي وغيرها في الإنشاء - أمراً يسمّى بالكلام النفسي، قائماً بالنفس وراء العلم والإرادة وغيرهما من الصفات النفسية المعروفة، وهو مدلول الكلام اللفظي.
ولكن لا يخفى ما في هذه الحكاية، فإنّ ظاهر كلماتهم كما يشهد عليه النظر فيها هو أنّ هناك أمراً قائماً بالنفس يكشف عنه الكلام اللفظي، وهو فرد من نوع الكلام، لا أنّه من مداليل الكلام اللفظي كي يستشهد عليه بقول القائل:
إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما * جعل اللسان على الفؤاد دليلاً
فعليه تكون نسبة الكلام اللفظي إلى الكلام النفسي نسبة الكاشف إلى المنكشف، نظير كشفه عن حياة المتكلّم وعقله وشعوره، لا نسبة الدالّ إلى المدلول.
ثمّ إنّهم استدلّوا على إثبات الكلام النفسي بوجوه أربعة:
الأوّل: ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالّة على ثبوت التكلّم له تعالى، كقوله عزّوجلّ: (وَكَلَّمَ اللََّهُ مُوسَى تَكْلِيماً)[١] وحيث كان الكلام اللفظي مركّباً من الحروف المتعاقبة المتدرّجة المتصرّمة، فلو كان هو المقصود في هذه الآيات لزم أن تكون الذات المقدّسة محلاً للحوادث، وهو يخالف القدم والبساطة بخلاف ما لو كان المراد منه الكلام النفسي، حيث إنّه ليس من مقولة الألفاظ، فلا يلزم المحذور.
الثاني: أنّ لازم صدق المتكلّم عليه تعالى هو أن يكون قيام التكلّم به قيام الصفة بالموصوف، إذ لو كان من باب قيام الفعل بالفاعل لما صحّ هذا الصدق، ومن ثمّ لا يصحّ إطلاق النائم والقائم والذائق عليه تعالى مع أنّه خالقها، وذلك ليس‌

[١] النساء ٤.١٦٤.