رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٧٢ - في بيان كيفية صدور الأفعال عند المتأخّرين من الفلاسفة

الغاية في الكائن الحي إلى الغاية في الطبيعة برمّتها، فننظر إليها على أنّها هي أحرى‌[١] نظام اُ لّف على نحو معيّن لتتحقّق منه غاية عامّة، والغاية القصوى التي نعتقد أنّ العالم يجري نحوها في تطوّره غاية أخلاقية، لأنّنا نلحّ دائماً في السؤال بما هي الغاية، أو بما هو الغرض من كيت وكيت، حتّى نصل إلى هدف أخلاقي ما[٢].
ومعنى هذا المذهب - كما تراه من العبارة وغيرها المذكور في محلّه - أنّ الكون بمعناه المطلق وإن كان تحت نظام تامّ، إلّاأنّ الأفعال الواقعة فيه إنّما تقع لتحصيل غايات، وترتّبها على الأفعال والحركات من قبيل ترتّب الأخلاق على الأعمال فإنّ الأخلاق ليست مندمجة تحت النظام، بل هي متحصّلة من النظام وأطواره.
وإذا عرفت حقيقة المذهبين‌ فنقول: إنّ ابتناء الجبر والاضطرار في الأفعال على المذهب الأوّل في غاية الظهور، بداهة استحالة تصرّف الإنسان الداخل في الكون - الدائرة المقفلة - بشي‌ء من التصرّف. وجوابه ما عرفته سابقاً[٣] في إثبات الاختيار مع الالتزام بالنظام الجملي، فلا حاجة إلى الإعادة.
وأمّا ابتناء الاختيار على المذهب الثاني - مذهب الغاية - فلوضوح أنّ سؤالنا لماذا فعلت هذا وتركت ذلك، وجوابه فعلته لغاية كذا أو تركته لكذا، ينمّ عن بداهة الاختيار [و] دليل ظاهر على الاختيار، ضرورة أنّه لا معنى للمسؤولية عن فعل أو ترك غير اختياري، أفهل يعترض على أحد بحركة نبضه أو بعدم طيرانه في الجو بغير آلة؟
وبالجملة: إنّ هذا المذهب الذي هو في الحقيقة إرجاع الإنسان إلى وجدانه‌

[١] الموجود في المصدر: الأخرى.
[٢]المدخل إلى الفلسفة: ٢١٢.
[٣]راجع ص‌٥٤.