رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٥٨ - البيان الأوّل للفلاسفة والجواب عنه

وجودها من القدرة وغيرها آناً فآناً، فلا جبر ولا تفويض بل منزلة بينهما.
وأمّا الملكات النفسانية فما كان منها حاصلاً باختيار العبد بإيجاد مبادئه وأسبابه، فحاله حال الفعل الاختياري في كونه وسطاً بين الجبر والتفويض، وما كان منها خارجاً عن اختياره فهو مستند إلى إرادة اللََّه سبحانه حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية، وتوصيف بعض تلك الملكات بالشرّ إنّما هو بضرب من المسامحة وبالإضافة إلى جهة دون جهة، وإلّا فهو ممّا لابدّ منه في نظام الوجود، ومثل ذلك لا يكون إلّاخيراً. فكما أنّ الحكمة اقتضت إعطاء القوّة الجسمية لأحد وضعفها لآخر كذلك اقتضت إعطاء القوّة في الإدراك لشخص وضعفها لشخص آخر، وهكذا الأمر في سائر الصفات النفسانية المقتضية في أنفسها للخيرات والشرور، مع بقاء الاختيار في جميعها للعبد، وأنّ اللََّه له الإعطاء والمنع والبسط والقبض، وهو الحكيم الخبير.
وأمّا ما ذكره السيّد(قدّس سرّه)[١] من استناد الشرور والآلام والنقائص والآثام إلى سوء الاستعدادات ونقص الاستحقاقات فيظهر بطلانه ممّا ذكرناه، على أنّه يرد عليه: أنّ نقصان الاستحقاق وسوء الاستعداد أمر قائم بالوجود أو الماهية؟
فإن قيل: إنّ معروضه الوجود فلا ريب في أنّه مخالف لما اتّفقت عليه كلمتهم من أنّ الوجود خير محض، وتعلّقه بجميع الممكنات بإفاضة اللََّه سبحانه على حدّ سواء.
وإن قيل: إنّه الماهية كما هو ظاهر كلام السيّد وصريح كلام غيره، ولذلك قال الشيخ: ما جعل اللََّه المشمشة مشمشة بل أوجدها[٢]، فيرد عليه أنّ الماهية ليست‌

[١] كتاب القبسات: ٤٧٥ (ضمن القبس العاشر) وقد تقدّمت عبارته في ص‌٥٥.
[٢]حكاه عنه في شوارق الإلهام ١: ١٣٨.