رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٠ - في قاعدة أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد

العقل المقهور على خالقه القاهر جلّ شأنه ليلزمه بشي‌ء أو يزجره عنه، وهو الحاكم على عباده والقاهر عليهم، بل المراد بذلك هو إدراك الواقع وما هو أمر ثابت في نفس الأمر، وهو على حذو قولنا: إنّ العقل يحكم باستحالة اجتماع النقيضين، وبأنّ الاثنين مكرّر الواحد، وأنّ الواحد نصف الاثنين، فهل يتوهّم عاقل أنّ معنى الحكم في أمثال ذلك هو البعث أو ما يقاربه من المعاني؟ كلّا.
وبالجملة: إذا قلنا: يحكم العقل بوجوب فعلٍ ما أو قبحه على اللََّه تعالى أردنا به إدراك العقل استلزام الوجوب الذاتي والغناء المطلق لوجود شي‌ء وعدمه فحكمه هذا من فروع الحكمة النظرية، لا من قبيل الحكمة العملية.
وبما ذكرنا تندفع‌ شبهة اُخرى للأشاعرة، حيث منعوا قبح الظلم على اللََّه تعالى، بتوهّم أنّه تعالى هو الحاكم المطلق في سلطانه، ولا يحكم أحد عليه بالقبح.
وهذه الشبهة إنّما نشأت من الجهل بمعنى الحكم في المقام، وبعد ما ظهر لك ذلك لا يبقى للشبهة المزبورة وقع علمي أبداً، إلّاأنّه مع ذلك سنتعرّض لأصل الشبهة وجوابها تفصيلاً فيما بعد إن شاء اللََّه تعالى‌[١].
في قاعدة أنّ الشي‌ء ما لم يجب لم يوجدالخامس: في بيان معنى قول الفلاسفة[٢]: إنّ الشي‌ء ما لم يجب لم يوجد، أو إنّ الشي‌ء ما لم يوجد لم يجب. وهذه القاعدة قد ذكرها الفلاسفة في باب لزوم معيّة المعلول، وهي من الاُصول الموضوعة عندهم في الفلسفة العالية وغيرها من أبواب الفلسفة.

[١] في ص‌٤٧.
[٢]راجع الأسفار ١: ٢٢١، نهاية الحكمة: ٥٤.