رسالة في الإرث - الجواهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨ - في بيان المذاهب في أفعال العباد

بالنقض بعلمه تعالى بأفعال نفسه، بتقريب: أنّ العلم بصدور فعل لو كان علّة لصدوره بغير اختيار أو كان ملازماً له لزم أن يكون الواجب تعالى أيضاً مضطراً في أفعاله، لأنّها معلومة له قبل وقوعها، مع أنّ الأشعري لا يلتزم بذلك، فما هو الجواب في أفعاله سبحانه هو الجواب في أفعال العباد أيضاً.
وبما ذكرناه‌ من الحلّ والنقض يظهر الجواب عمّا ذكره بعضهم في ذيل الشبهة المزبورة بأنّه تعالى قد أخبر في بعض الموارد عمّا يؤول إليه حال العبد، كقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)[١] الخ، ولابدّ من أن يكون المخبر عنه واقعاً في الخارج وإلّا لزم الكذب عليه تعالى، ومن الظاهر أنّ ما لابدّ من وقوعه في الخارج لا يكون اختيارياً، وجه الظهور: أنّ الإخبار عن شي‌ء كالعلم به لم يتعلّق بمطلق وجوده، بل بوجوده الاختياري، فلا يوجب انقلابه عمّا هو عليه، وإلّا لزم الكذب، تعالى اللََّه عن ذلك علوّاً كبيراً.
هذا مع أنّ الإخبار قد يتعلّق بفعل اللََّه سبحانه نفسه من العقاب والثواب أو غير ذلك، فلو كان مستلزماً لصدور الفعل اضطراراً لزم الالتزام بذلك في فعل اللََّه أيضاً، والأشعري لا يلتزم به، وسيجي‌ء التعرّض لذلك مفصّلاً عند البحث عن الآيات إن شاء اللََّه تعالى‌[٢].
الثالث: وهو عمدة ما استدلّوا به لإثبات مطلوبهم، وتقريره كما يظهر من كلماتهم أخذاً من الفلاسفة[٣] أن يقال: إنّ الفعل الصادر عن العبد إمّا أن يكون على نحو الاضطرار والوجوب فهو المطلوب، أو يكون مسبوقاً بالاختيار والإرادة، بحيث‌

[١] المسد ١١١: ١- ٣.
[٢]لاحظ ص‌٨٢ وما بعدها.
[٣]راجع نقد المحصّل: ٣٢٥، كشف المراد ٣٠٨- ٣٠٩.